تفسير الجزء 19 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء التاسع عشر
19
سورة الفرقان (21-77)
سورة الشعراء
سورة النمل (1-55)

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ﴾ [الشعراء:129]


وتَبنونَ قُصورًا مُشَيَّدَة، أو مصانِعَ ضَخمَةً للمِياه، وكأنَّكمْ ستَخلُدونَ في الدُّنيا، ولا تَحسُبونَ حِسابًا للمَوتِ والثَّوابِ والعِقاب.

﴿وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:130]


وإذا أَخَذتُمْ شَيئًا أو عاقَبتُمْ على أمْر، فضَرَبتُمْ أو انتَقَمتُم، فعَلتُمْ ذلكَ بقوَّةٍ وغِلْظَة، وجبَروتٍ وغضَب، دونَ مُراعاةِ أدَبٍ أو حِسابِ أثَرٍ مَكروهٍ له.

﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:131]


فاحذَروا غضَبَ اللهِ واترُكوا هذهِ الأفعَال، وأطيعُوني فيما آمرُكمْ به، فإنَّهُ أفضَلُ لكم.

﴿وَاتَّقُواْ الَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الشعراء:132]


واحذَروا عِقابَ الله، الذي أنعمَ عَليكمْ وأعطاكمْ مِنَ الخيراتِ ما تَعرِفون، فإنَّهُ قادِرٌ على سَلبِها منكم.

﴿أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء:133]


أعطاكمْ مِنَ الأنعامِ ما يَفي بحاجاتِكمْ ويَنفَعُكمْ في مَعاشِكم، مِنَ الإبِلِ والبقَرِ والغنَمِ والمَعْز، وسهَّلَ لكمُ الاستِفادَةَ منها، ووَهبَكمُ البَنينَ نِعمَةً وزِينَةً وبَهجَة لكم، وعَونًا لكمْ في أعمالِكم.

﴿وَجَنَّـٰتٖ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:134]


وأعطاكمُ البسَاتينَ الكثيرَةَ والأنهارَ التي تَملأ أرضَكم، فتَزدادونَ غِبطَةً ورَفاهيَة.

﴿إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الشعراء:135]


وإنِّي أخشَى إنْ لم تتَّقوا ربَّكم، ولم تَشكروهُ على هذهِ النِّعَم، أنْ يُعاقِبَكمْ عُقوبَةً عَظيمَة، في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَة.

﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ الۡوَٰعِظِينَ﴾ [الشعراء:136]


لكنَّ عادًا لم يَشكُروا رَبَّهم، ولم يتَّعِظوا بنصَائحِ نبيِّهم، فقالوا لهُ في استِخفافٍ ولامُبالاة: إنَّ كلامَكَ وعدَمَهُ عندَنا سَواء، وإنَّكَ إنْ وعَظْتَ أو لم تَعِظ، لم نَرجِعْ عمَّا نحنُ عَليه.

﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ الۡأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:137]


وقالوا: ما هذا الذي جئتَ بهِ سِوَى خُرافاتٍ وحِكاياتٍ اختلَقَها الأوَّلون.

﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:138]


وقالوا مُستَمرِّينَ في كُفرِهم: ولا بَعْثَ بعدَ المَوت، فلا نُحاسَبُ على أعمالِنا ولا نُعَذَّبُ عَليها.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء:139]


وهكذا كذَّبوا نبيَّهمْ هُودًا، واستَكبَروا عنِ اتِّباعِ الحَقّ، فأهلَكناهُمْ برِيحٍ شَديدَةٍ عاتيَة، جَزاءَ فِعلِهمُ السيِّء، وفي ذلكَ عِبَرٌ كثيرَةٌ للأحيَاء، لمَنْ تفَكَّرَ منهمْ وتدَبَّر، وعقَلَ فوَعَى. ومعَ كُلِّ هذهِ الدَّعوَة، والتَّبليغِ المُستَمِرّ، وضَربِ الأمثَال، وسَردِ الأخبَارِ التي فيها عِظاتٌ وعِبَر، فإنَّ أكثرَهمْ لا يؤمِن!

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الۡعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:140]


واللهُ قَويٌّ لا يُقْهَر، يُمهِلُ الكافِر، وقدْ يَمُدُّ لهُ في الأجَل، وهوَ لهُ بالمرصَاد. وهوَ سُبحانَهُ رَحيمٌ بعِبادِهِ المؤمِنين، الذينَ يُطيعونَهُ، ولا يُخالِفونَ أمرَ نَبيِّه.

﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ الۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الشعراء:141]


كذَّبتْ قَبيلَةُ ثَمودَ رَسولَهمْ صالِحًا، ومَنْ كذَّبَ رَسولاً واحِدًا فقدْ كذَّبَ جميعَ الرُّسُل، لأنَّهمْ كُلَّهمْ يَدعونَ إلى عَقيدَةٍ واحِدَة.

﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:142]


إذْ قالَ لهمْ أخوهمْ في النَّسَبِ صالِح: ألا تَخافونَ عَذابَ اللهِ ومَقتَه، وأنتُمْ تَعبدونَ غَيرَه، وهوَ خالِقُكمْ والمُنعِمُ عَليكم؟

﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ﴾ [الشعراء:143]


وقالَ لهمْ عليهِ السَّلام: إنَّني رَسولٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ إليكم، أمينٌ على وَحْيه، أصدُقُكمْ خبرَ ما أرسَلَني به.

﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:144]


فاتَّقوا غضبَهُ وانتِقامَهُ بتَوحيدِهِ وطاعَتِه، وأطيعُوني فيما آمرُكمْ به، فإنِّي لا أقولُ لكمْ إلاّ خَيرًا.

﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الۡعَٰلَمِينَ﴾ [الشعراء:145]


ولا أطلُبُ منكمْ مالاً على هذا الذي أدعوكمْ إليه، إنَّما أطلبُ ثَوابَهُ مِنْ رَبِّ العالَمين.

﴿أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ﴾ [الشعراء:146]


هلْ تَظُنُّونَ أنَّكمْ ستُتْرَكونَ في الدُّنيا هكذا آمِنينَ مُتَنَعِّمين؟

﴿فِي جَنَّـٰتٖ وَعُيُونٖ﴾ [الشعراء:147]


في بسَاتينَ جَميلَةٍ وأنهارٍ جاريَةٍ سُعدَاءَ مُخَلَّدين؟

﴿وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ﴾ [الشعراء:148]


وبينَ زُروعٍ خَضراءَ فَسيحَة، وثِمارٍ يانِعَةٍ شَهيَّة، ونَخلٍ قدْ رَطُبَ ثَمرُهُ فأينعَ وطَاب؟

﴿وَتَنۡحِتُونَ مِنَ الۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ﴾ [الشعراء:149]


وتَنحِتونَ البُيوتَ منَ الجِبالِ في حِذْقٍ ومَهارَةٍ للتَّرَفُّهِ والتَّنَعُّم؟ (وهيَ مدائنُ صالِحٍ المَعروفَة، في بِلادِ الحرَمَين).

﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:150]


فاتَّقوا اللهَ وانتَهوا عنْ مُخالَفَةِ أمرِهِ والشِّرْكِ به، وأطيعُوني فيما أُبَلِّغُكمْ مِنْ عندِه، فإنَّكمْ ستُحاسَبونَ على ما تَعمَلون.

﴿وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ الۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الشعراء:151]


ولا تُطيعوا مَنْ يأمرُكمْ بالكُفرِ والضَّلالِ مِنَ المشرِكين.

﴿الَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي الۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ﴾ [الشعراء:152]


الذينَ يُفسِدونَ في الأرْضِ بالمَعاصي، ولا يُصلِحونَ في أمرٍ مِنَ الأُمور، فقدِ اختلطَ الفسَادُ بأعمالِهمْ كُلِّها، لبُعدِهمْ عنْ دِينِ اللهِ وطَريقِهِ المُستَقيم.

﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الۡمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:153]


فأجابَهُ قَومُهُ وقدْ أوغَلوا في الكُفرِ والعِناد: ما أنتَ إلاّ مَسحورٌ مَخدوع.

﴿مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّـٰدِقِينَ﴾ [الشعراء:154]


قالوا: ولستَ سِوَى بشَرٍ مِثلِنا، وإذا كُنتَ صادِقًا في ادِّعائكَ النبوَّة، فَأتِنا بمُعجِزَة.

﴿قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [الشعراء:155]


فقالَ لهم: هذهِ ناقَةٌ مُبارَكَةٌ مِنْ عندِ الله، لم يَملِكْها أحَد، تَشرَبُ مِنَ النَّهرِ يَومًا، وأنتُمْ تَشرَبونَ منهُ يَومًا، ولا تُزاحِموها في يَومِها.

﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الشعراء:156]


ولا تَقْرَبوها بسُوء، كضَرْبٍ أو ذَبح، فإذا فعَلتُمْ ذلكَ حلَّتْ بكمْ نِقمَةُ الله، وأصابَكمْ منهُ عَذابٌ كبير.

فمَكثوا حينًا مِنَ الدَّهرِ يَنتَفِعونَ بلبَنِها... ثمَّ اتَّفَقوا على ذَبحِها!

﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ﴾ [الشعراء:157]


فذَبَحوا النَّاقَة، وأصبَحوا نادِمينَ عندَما عايَنوا العَذابَ الذي وعدَهمْ بهِ نبيُّهم.

﴿فَأَخَذَهُمُ الۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء:158]


فقدْ حلَّتْ بهمْ نِقمَةُ الله، وزُلزِلَتِ الأرضُ مِنْ تحتِهمْ زِلزالاً شَديدًا، وجاءَتْهُمْ صَيحَةٌ عَظيمَةٌ جَعَلَتْهمْ هامِدينَ لا حِراكَ بهم.

وفيما حَلَّ بهمْ مِنَ العَذابِ عِبرَةٌ لمَنْ أرادَ أنْ يَعتَبِر.

وعلى الرَّغمِ مِنْ أنَّ المُعجِزَةَ كانتْ واضِحَةً لجَميعِهم، إلاّ أنَّ أكثرَهمْ كفَروا وعصَوا.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الۡعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:159]


واللهُ قَويٌّ لا يُغالَب، يَنتَقِمُ ممَّنْ أصَرَّ على الكُفرِ واستمَرَّ فيه، في الدُّنيا أو في الآخِرَة، أو يَذوقُ العَذابَين. وهوَ سُبحانَهُ رَحيمٌ بعِبادِهِ المؤمِنينَ المُطيعين، فيَغفِرُ لهمْ ويُكرِمُهمْ بجنَّاتِ النَّعيم.