تفسير الجزء 15 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الخامس عشر
15
سورة الإسراء
سورة الكهف (1-74)

﴿وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:43]


ولم تَكنْ لهُ جَماعَةٌ تَقدِرُ على الانتِصارِ لهُ ودَفعِ الهلاكِ عَنْ مالِهِ وبُستانِهِ مِنْ دونِ الله، فهوَ سُبحانَهُ القَادِرُ على نَصرِهِ وحدَه، وما كانَ هوَ قادِرًا على دَفعِ ضُرٍّ عنْ نَفسِه، ولا مَنعِ نِقْمَةِ اللهِ عَنه.

﴿هُنَالِكَ الۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ الۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا﴾ [الكهف:44]


وفي تلكَ الحالِ مِنْ وُقوعِ الهَلاكِ يَرجِعُ كُلُّ أحَدٍ إلى مُوالاةِ اللهِ والخُضوعِ له، فاللهُ أفضَلُ جَزاءً ومَثوبَةً لعِبادِهِ المؤمِنين، وأحسَنُ عاقِبَةً ومَآلاً لأوليائهِ والمُتوَكِّلينَ عَليه.

﴿وَاضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ الۡحَيَوٰةِ الدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ الۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ الرِّيَٰحُۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا﴾ [الكهف:45]


واذكُرْ لقَومِكَ أيُّها النبيُّ ما يُشبِهُ الدُّنيا في زِينَتِها وسُرعَةِ زَوالِها لئلاّ يَغْتَرُّوا، كمَطَرٍ أنزَلناهُ مِنَ السَّحاب، فاختَلطَ الماءُ بنَباتِ الأرضِ حتَّى رَوَّاه، فنَضَرَ عُودُه، وفاحَتْ رائحَتُه، وبانَ زَهرُهُ مِنْ كُلِّ لَون، وبعدَ حينٍ أصبَحَ يابِسًا لا رُوحَ فيه، تُفَرِّقُهُ الرِّياحُ وتُطَيِّرُهُ لخِفَّتِهِ وكأنَّهُ لم يَكن، بعدَ أنْ كانَ نَضِرًا مُبهِجًا! وكانَ اللهُ قادِرًا على كُلِّ شَيء، ومِنْ ذلكَ الإحياءُ والإماتَة.

﴿الۡمَالُ وَالۡبَنُونَ زِينَةُ الۡحَيَوٰةِ الدُّنۡيَاۖ وَالۡبَٰقِيَٰتُ الصَّـٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا﴾ [الكهف:46]


الأموالُ والأولادُ زِينَةُ الدُّنيا وزَهرَتُها، وكُلُّ ذلكَ يَفنَى ويَزول، ولا تُوزَنُ قيمَةُ الإنسَانِ بالزِّيناتِ الفانيَاتِ - معَ عَدَمِ النَّهي عنِ المُباحِ منها في حُدودِ الشَّرعِ - ولكنَّ القِيمَةَ الحَقيقيَّةَ لِما هوَ صالِحٌ باقٍ مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ والعِبادات، فهيَ أفضَلُ عندَ رَبِّكَ جَزاءً، وأحسَنُ ما يؤمَلُ في الآخِرَة.

﴿وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ الۡجِبَالَ وَتَرَى الۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا﴾ [الكهف:47]


واذكُرْ يَومَ القيامَة، الذي تَذهَبُ فيهِ الجِبالُ مِنْ أماكنِها، ونُسَيِّرُها كالسَّحاب، وترَى الأرضَ بادِيَةً ظاهِرَة، فلا جبَلَ فيها ولا هَضَبَة، ولا بِناءَ ولا شَجَر، والخَلقُ مَكشُوفون، فقدْ جمَعْنا كُلَّهمْ في المَوقِف، ولم نَترُكْ منهمْ أحَدًا.

﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا﴾ [الكهف:48]


وأُحضِروا جَميعًا، وقامُوا بينَ يَدي اللهِ مُصطَفِّين، لقدْ جِئتُمونا - أيُّها المُنكِرونَ ليَومِ البَعثِ - أحياءً، حُفَاةً، عُراةً، كما خَلَقناكُمْ أوَّلَ مرَّة، ليسَ معَكمْ شَيءٌ مِنَ الدُّنيا تَفتَخِرونَ به، بلْ ظنَنتُمْ أنَّنا لنْ نبعَثَكمْ مَرَّةً أُخرَى، ولنْ نُوقِفَكمْ للحِسابِ والجَزاء.

﴿وَوُضِعَ الۡكِتَٰبُ فَتَرَى الۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [الكهف:49]


ووُضِعَتْ صَحائفُ الأعمَالِ في أيدي أصحَابِها، وفيها كُلُّ ما قالُوهُ وعَمِلوهُ في الدُّنيا، كبيرًا كانَ أو صَغيرًا، وترَى الكفَرَةَ المُجرِمينَ خائفينَ مَذعورِينَ ممّا في كِتابِهمْ منَ الجرائمِ والمُنكَراتِ والذُّنوبِ العِظام، وهمْ يَقولونَ مُتعَجِّبينَ ومُتَحَسِّرين: يا وَيلَنا وهَلاكَنا، ما شَأنُ هذا الكِتابِ لا يَترُكُ ذَنبًا صَغيرًا ولا كَبيرًا إلاّ وسجَّلَه؟! ووَجدوا كُلَّ ما عَمِلوهُ في الدُّنيا مَسطورًا مُثبَتًا أمامَهم، مِنْ خَيرٍ وشَرّ، ولا يَظلِمُ رَبُّكَ أحَدًا مِنَ النَّاس، فلا يُقَدِّرُ عُقوبَةَ المُجرِمِ إلاّ بمقدارِ ما يَستَحِقُّه، وقدْ يَعفو ويَصفَح، ولا يَنقُصُ منْ ثَوابِ المُحسِن، بلْ يُضاعِفُ لهُ الأجْر، وهوَ الحكَمُ العَدْل، والمُحسِنُ الكَريم.

﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ اسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ الۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا﴾ [الكهف:50]


واذكُرْ قَولَنا للمَلائكة: اسجُدوا لآدَمَ سُجودَ تَحيَّةٍ وإكرام، بعدَ أنْ سَوَّيناهُ ونَفَخنا فيهِ منْ رُوحِنا، فسَجَدوا لهُ جَميعًا، طاعَةً لرَبِّهم، إلاّ إبليسَ اللَّعين، وكانَ منَ الجِنّ، فخرَجَ عنْ طاعَةِ رَبِّه، وأبَى أنْ يَكونَ منَ السَّاجِدين، أفتتَّخِذونَهُ وذُرِّيَّتَهُ نُصَراءَ وأُمَناءَ تَسمَعونَ منهم، وتُطيعونَهمْ بدلَ أنْ تُطيعوني، وقدْ عَلِمتُمْ أنَّهمْ أعداءُ اللهِ وأعدَاؤكم؟ بئسَ هذا البدَلُ (إبليسُ) لِمَنْ عصَى رَبَّه، فظلَمَ نفسَهُ وعَرَّضَها للعَذاب.

﴿۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ [الكهف:51]


إنَّ هؤلاءِ الشَّياطينَ الذينَ تُطيعُونَهمْ عَبيدٌ خُبَثاء، وأعداءٌ لكم، لا يُطاعونَ ولا همْ يُكرَمون، فما أحضَرتُهمْ خَلقَ السَّماواتِ والأرض، وقدْ خَلَقتُهما قَبلَهم. وما أشهَدتُ بَعضَهمْ خَلقَ بَعض، ولا استَعَنتُ بأحَدٍ منهمْ في الخَلقِ والتَّدبير، فما كنتُ مُتَّخِذًا مِنَ المُضَلِّينَ الفَاسِقينَ أنصَارًا وأعْوانًا في شَأنِ الخَلقِ حتَّى تُظَنَّ شَراكتُهمْ في الطَّاعَةِ والمُوالاة.

﴿وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ الَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا﴾ [الكهف:52]


واذكُرْ يَومَ يَقولُ اللهُ للمشرِكينَ زَجْرًا لهمْ وتَوبيخًا: نادُوا شُرَكائي مِنَ الأوثانِ وغَيرِها، الذينَ زَعَمتُمْ في الدُّنيا أنَّهمْ شُفعاءُ لكمْ وشُرَكاءُ لي في الأُلوهيَّة، فاستَغيثُوا بهمْ ليَشفَعوا لكمْ عندَ اللهِ ويُنقِذوكمْ مِنَ العَذاب. فلمْ يُجيبوهمْ ولمْ يُغيثوهم. وجعَلنا بينَهمْ مَهلِكًا يَشتَرِكونَ فيه، وهوَ النَّار.

﴿وَرَءَا الۡمُجۡرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا﴾ [الكهف:53]


ورَأى المشرِكونَ النَّارَ عِيانًا، وأيقَنوا أنَّهمْ واقِعونَ فيها، ولم يَجِدوا أيَّ طَريقٍ يَعدِلونَ عَنها، فقدْ أحاطَتْ بهمْ جَهنَّمُ مِنْ كُلِّ مَكان.

﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا الۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ الۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف:54]


ولقدْ بيَّنَّا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ، وكرَّرنا فيهِ ونوَّعنا الأدِلَّةَ والبَراهينَ التي تُوَضِّحُ لهمُ الحَقّ، ليَتذَكَّروا ويَتَّعِظوا ويَتدَبَّروا. وكانَ الإنسَانُ - بحسَبِ طَبْعِهِ - كثيرَ المُخاصَمَةِ والمُجادَلة.

وكثيرٌ منَ النَّاسِ يَدفَعونَ الحقَّ جِدالاً ولو عرَفوه! وهذا عِنادٌ واستِكبارٌ وجِدالٌ بالباطِل، وصِفَةٌ للمشرِكينَ والمُنافِقين.

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ الۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ الۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ الۡعَذَابُ قُبُلٗا﴾ [الكهف:55]


وما منَعَ النَّاسَ مِنَ الإيمانِ بعدَ أنْ جاءَهمُ الهُدَى والبَيان، ويَتوبوا إلى رَبِّهمْ مِنَ الكُفرِ والتَّكذيبِ والمُجادَلَةِ بالباطِل، إلاّ انتِظارُ أنْ يأخُذَهمُ العَذابُ الذي وُعِدوا بهِ عنْ آخِرِهم، أو أنْ يُشاهِدوهُ عِيانًا ومُواجَهةً، فعندَ ذلكَ يُبادِرونَ إلى الإيمان، على الرَّغمِ منْ مُشاهدَتِهمُ الآياتِ الواضِحةَ والمُعجِزاتِ الكافيَةَ الدَّالَّةَ على صِدقِ أنبيائهمْ قَبلَ ذلك.

﴿وَمَا نُرۡسِلُ الۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ الۡحَقَّۖ وَاتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا﴾ [الكهف:56]


وما إرسالُنا الرُّسُلَ إلاّ ليُبَشِّروا المؤمِنينَ الصَّادِقينَ منهمْ بالثَّواب، ويُنذِروا الكافِرينَ المُكَذِّبينَ بالعَذاب، ولكنَّ الكافِرينَ يُعانِدونَ ويُجادِلونَ بالبَاطِل، ويَقتَرِحونَ مُعجِزاتٍ تَعَنُّتًا، ليُبطِلوا بجِدالِهمُ الحَقَّ الذي جاءَ بهِ الرُّسُل، واتَّخَذوا آياتي والمُعجِزاتِ التي أيَّدتُهمْ بها وما أُنذِروا بهِ منَ العِقابِ والعَذابِ استِهزاءً وسُخرِيَةً.

﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى الۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا﴾ [الكهف:57]


وليسَ هُناكَ أظلَمُ ممَّنْ وُعِظَ بآياتِ الله وحُجَجهِ، ومنها القُرآنُ الكريم، فأعرضَ عنها ولم يَتدَبَّرْها، ونَسِيَ ما جنَتْ يَداهُ مِنَ الكُفرِ والمَعاصِي ودَفعِ الحقِّ بالجِدالِ الباطِل. لقدْ جعَلنا على قُلوبِهمْ أغطيَةً لئلاّ يَفهَموه، وفي آذانِهمْ صَمَمًا وثِقلاً لئلاّ يَسمَعوه، فقدِ استَهزَؤوا بآياتِ الله ونُذُرِه، وعَلِمَ اللهُ أنَّهمْ لنْ يؤمِنوا تَحقيقًا، فقدَّرَ عَليهمُ الضَّلالَ بسبَبِ ذلك. فإذا دعَوتَهمْ إلى الدِّينِ الحقِّ فلنْ يَهتَدوا إليهِ أبَدًا، فلا استِعدادَ عندَهمْ لاتِّباعِه، ولنْ يَهدِيَهمُ اللهُ مادامتْ قُلوبُهمْ مُقْفَلةً دونَه.

﴿وَرَبُّكَ الۡغَفُورُ ذُو الرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا﴾ [الكهف:58]


وربُّكَ يَغفِرُ الذُّنوب، وهوَ ذو رَحمَةٍ واسِعة، ولو أنَّهُ يُعاقِبُ الكُفّارَ في الدُّنيا بأعمالِهمُ السيِّئة، لعَجَّلَ لهمُ العَذابَ في الدُّنيا؛ لاستِحقاقِهمْ ذلك، ولكنَّ لهمْ مَوعِدًا، هوَ يَومُ البَعثِ والحِساب، لنْ يَجِدوا مَلجَأً غَيرَه، ولا مَهرَبَ لهمْ منه.

﴿وَتِلۡكَ الۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا﴾ [الكهف:59]


وأهلُ القُرَى مِنَ الأمَمِ السَّابِقَة، كعادٍ وثَمودَ وقَومِ لُوط، أهلَكناهمْ لمَّا كفَروا بآياتِ اللهِ وكذَّبوا رسُلَه، وقدْ جعَلنا لإهلاكِهمْ مَوعِدًا مُحَدَّدًا، فلمْ يَتجاوَزوه، فلا يَغُرَّنَّ أحدًا إمهالُ اللهِ لهم.

﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ الۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾ [الكهف:60]


واذكُرْ قَولَ نبيِّ اللهِ موسَى لفتَاهُ الذي كانَ يَخدِمُهُ يُوشَعَ بنِ نون - كما وردَ اسمُهُ في الصَّحيحَين -: لا أزالُ أسيرُ حتَّى أصِلَ إلى مَجمَعِ البَحرينِ - ولعلَّهُ ما بينَ البَحرينِ المتوسِّطِ والأحمرَ - وإنْ استَغرَقَ ذلكَ دَهرًا طَويلاً.

وكانَ موسَى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قامَ خَطيبًا في بَني إسْرائيل، فسُئل: أيُّ النَّاسِ أعلَم؟ فقال: أنا أعلَم. فعتَبَ اللهُ تعالَى عَليهِ إذْ لم يَرُدَّ العِلمَ إليه، فأوحَى اللهُ إليه: إنَّ لي عَبدًا مِنْ عِبادي بمَجمَعِ البَحرَين، هوَ أعلَمُ مِنك". رواهُ الشَّيخانُ وغَيرُهما، واللَّفظُ للبُخاريّ.

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي الۡبَحۡرِ سَرَبٗا﴾ [الكهف:61]


فلمَّا وصَلا إلى مَجمَعِ البَحرَين، نَسِيا حوتَهما هُناك - وهوَ السَّمَك -. ومضَى موسى يَسيرُ في البَحرِ كالسِّرْبِ في الأرض، فيَبقى أثَرُهُ مِنْ بَعدِه(75).

(75) {سَرَباً} أي: مسلكًا كالسرب، وهو بيتٌ في الأرض، وثقبٌ تحتها، وهو خلافُ النفق؛ لأنه إذا لم يكنْ له منفذٌ يُقالُ له سرب، وإذا كان له منفذٌ يقالُ له نفق. وذلك أن الله تعالى أمسكَ جريةَ الماءِ على الحوتِ فصارَ كالطاقِ عليه، وهو ما عُقِدَ من أعلى البناءِ وبقيَ ما تحتَهُ خاليًا، يعني أنه انجابَ الماءُ عن مسلكِ الحوتِ فصارَ كوَّةً لم تلتئم. هكذا فسَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا المقام، كما في حديثِ الصحيحين. (روح البيان).

﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا﴾ [الكهف:62]


فلمَّا جاوزا المَكانَ الذي نَسِيا فيهِ الحُوت، قالَ موسَى لِفتاهُ يوشَع: أعطِنا غَداءَنا، فقدْ لَحِقَنا في سَفَرِنا هذا التَّعَبُ والجُوع.

﴿قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى الصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا الشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي الۡبَحۡرِ عَجَبٗا﴾ [الكهف:63]


قالَ لهُ يوشَع: أرأيتَ عندَما كنَّا في مَجمَعِ البَحرَينِ والتَجأنا إلى الصَّخرَةِ وأقَمنا عندَها، فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ هُناك - وكانَ موسى نائمًا إذْ ذاكَ - وما أنسانِي ذِكرَهُ إلاّ الشَّيطان.

﴿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَارۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾ [الكهف:64]


قالَ لهُ موسَى عليهِ السَّلام: هذا ما كُنّا نُريدُه، فقدْ جعلَ اللهُ ذلكَ أمارَةً لِلقاءِ الخَضِر. فرجَعا مِنْ طَريقِهما، يتَتبَّعانِ أثرَهُما، لئلاّ يُخطِئا طَريقَهما.

﴿فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾ [الكهف:65]


فوجَدا هُناكَ عَبدًا مِنْ عِبادِنا المؤمِنين، هوَ الخَضِرُ عليهِ السَّلام، آتَيناهُ الوَحيَ والنبوَّةَ مِنْ عِندِنا، كما هوَ عندَ جُمهورِ العُلَماء، وعَلَّمناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلمًا خاصًّا، لا يُعلَمُ إلاّ مِنْ جِهَتِنا. ولعَلَّهُ عِلمُ الإخبارِ بالغُيوب.

﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا﴾ [الكهف:66]


فقالَ لهُ موسَى عليهِ السَّلامُ بأدَبِ الأنبياءِ والعُلَماء: هَلْ تَسمَحُ لي أنْ أُرافِقَكَ على أنْ تُعَلِّمَني ممّا وهَبَكَ اللهُ مِنَ العِلمِ الرَّاشِد، الذي تُصيبُ بهِ خَيرًا؟

﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا﴾ [الكهف:67]


قالَ لهُ الخَضِرُ عَليهِ السَّلام: إنَّكَ لا تَقدِرُ على صُحبَتي، فستَرَى منِّي ما تَكرَهُ في شَريعَتِك، وأنا على عِلمٍ لمْ يُعَلِّمْكَ اللهُ إيّاه.

﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ [الكهف:68]


وكيفَ تَصبِرُ على شَيءٍ لا يُحيطُ بهِ عِلمُك، وتَسكتُ على تَركِ الإنكارِ ممّا يُخالِفُ الشَّرع؟

﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا﴾ [الكهف:69]


قالَ لهُ موسَى عَليهِ السَّلام: ستَجِدُني صابِرًا معَكَ إنْ شاءَ الله، غَيرَ مُعتَرِضٍ عَليك، مُلتَزِمًا بما تَقول.

﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾ [الكهف:70]


قالَ الخَضِر: فإذا تَبِعتَني فلا تَعتَرِضْ على أفعَالي، ولا تُناقِشني في شَيءٍ حتَّى أُفَسِّرَهُ لك.

﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا﴾ [الكهف:71]


فانطَلقَ موسَى والخَضِرُ عَليهِما السَّلامُ يَمشيانِ على ساحِلِ البَحر، فمرَّتْ سَفينَة، فرَكِباها، فثقبَها الخَضِرُ، بأنْ قلعَ لوحًا منها، فقالَ لهُ موسَى: أخرَقْتَ السَّفينَةَ لتُغرِقَ مَنْ فيها؟ لقدْ فعَلتَ فِعلاً مُنكَرًا.

﴿قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا﴾ [الكهف:72]


قالَ لهُ الخَضِرُ مُذَكِّرًا: ألمْ أقُلْ لكَ إنَكَ لا تَستَطيعُ الصَّبرَ معي؟

﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا﴾ [الكهف:73]


قالَ موسَى عليهِ السَّلام: لا تؤاخِذني بنِسياني ما اتَّفَقنا عَليهِ منْ عدَمِ الاعتِراضِ عَليك، ولا تُكَلِّفْني مشَقَّة، ولا تُشَدِّدْ عَليّ، وعامِلْني باليُسر.