تفسير الجزء 16 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء السادس عشر
16
سورة الكهف (75-110)
سورة مريم
سورة طه

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الۡقُرُونِ الۡأُولَىٰ﴾ [طه:51]


قالَ لهُ فِرعَون: فما حالُ القُرونِ السَّابِقَةِ والأُمَمِ الكثيرَةِ الماضِية، وماذا يَكونُ شأنُها وقدْ هلَكَت، ولماذا لم تُحاسَب؟

﴿قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه:52]


قالَ موسَى عَليهِ السَّلام: هذا مِنَ الغُيوبِ التي لا يَعلَمُها إلاّ الله، وإنَّ عمَلَهمْ مَضبُوطٌ عَليهمْ ومُسَجَّلٌ عندَ اللهِ في اللَّوحِ المَحفوظ، إنَّ رَبِّي لا يُخطِئُ ولا يَفوتُهُ أمْر، ولا يَنسَى شَيئًا ممّا جرَى ويَجري، صَغيرًا كانَ أو كبيرًا، وسَوفَ يُحاسِبُهمْ ويَجزيهمْ على أعمالِهمْ كُلِّها يَومَ القيامَةِ بما يَستَحِقُّون.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ﴾ [طه:53]


اللهُ الذي بسَطَ لكمُ الأرضَ ومَهَّدَها لتَستَقِرُّوا عَليها، وجعلَ لكمْ فيها طُرُقًا ومَسالِكَ بينَ الأودِيَةِ والجِبالِ لتتَنقَّلوا مِنْ خِلالِها بينَ الأقطارِ والبُلدان، وأنزلَ لكمْ مِنَ السَّحابِ مطَرًا، فأخرَجَ بالماءِ أصنافًا وألوانًا مِنْ نَباتاتٍ وثِمارٍ كَثيرَة، مُختَلِفَةٍ في الطَّعمِ واللَّون، والرَّائحَةِ والشَّكل.

﴿كُلُواْ وَارۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي النُّهَىٰ﴾ [طه:54]


فكُلوا منها ما يَصلُحُ لأبدانِكم، وارعَوا فيها أنعامَكمْ(78) لتَسرَحَ وتُنتِجَ ما يَنفَعُكم، وفي ذلكَ آياتٌ وأدِلَّةٌ على وحدانيَّةِ اللهِ وقُدرَتِهِ وعظَمتِه، لأصحَابِ العُقولِ المُتدَبِّرَةِ المُستَقيمَة.

(78) هي الإبِلُ والبقرُ والغنمُ والمعْز.

﴿۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه:55]


مِنْ هذهِ الأرضِ أصلُكمْ ومَبدَؤكم، وفيها تُدفَنونَ إذا مُتُّم، ومنها نُخرِجُكمْ أحياءً مرَّةً أخرَى للبَعثِ والحِساب.

﴿وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ﴾ [طه:56]


ولقدْ أبصَرْنا فِرعَونَ وعَرَّفناهُ آياتِنا ومُعجِزاتِنا بتفاصيلِها، ولكنَّهُ كذَّبَ بها استِكبارًا وعِنادًا، وأبَى أنْ يؤمِن.

﴿قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه:57]


وقالَ فِرعَونُ لموسَى بعدَ أنْ رأى آيَةَ العَصا، مُتَّهِمًا إيَّاهُ بالسِّحر: أجِئتَنا مِنْ مَدْيَنَ بعدَ طولِ غيابِكَ لتَسحَرَنا وتَجمعَ النَّاسَ عَلينا وتَطرُدَنا مِنْ أرضِنا ويَبقَى الأمرُ لكَ ولبَني إسْرائيل؟

﴿فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَاجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى﴾ [طه:58]


فسَوفَ نأتيكَ بسِحْرٍ مِنْ مثلِ سِحْرِك، فحَدِّدْ مَوعِدًا يَكونُ بينَنا وبينَك، لا نتخَلَّفُ عنهُ نحنُ ولا أنْت، في مَكانٍ مُعَيَّن، يَكونُ مُستَويًا، لا يَحجُبُ أحَدًا عنْ مُشاهَدَةِ ما يَجري.

﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ النَّاسُ ضُحٗى﴾ [طه:59]


قالَ موسَى عليهِ السَّلامُ لفِرعَونَ وجَماعَتِه: المَوعِدُ الذي بينَنا هوَ يَومُ الزِّينَة - وكانَ يَومَ عِيدِهمْ - وأنْ يَجتَمِعَ النَّاسُ في وَقتِ الضُّحَى.

﴿فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ﴾ [طه:60]


ومضَى فِرعَونُ يُدَبِّرُ الأمرَ ويُخَطِّطُ ليَغلِبَ موسَى عليهِ السَّلام، فجمَعَ السَّحرَةَ الكِبارَ مِنْ أنحَاءِ مِصر، وكانتْ سُوقُهمْ رائجَةً في ذلكَ الوَقت، ثمَّ أتَى إلى المَيدانِ في وَقتِه.

﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ افۡتَرَىٰ﴾ [طه:61]


وقالَ موسَى للسَّحرَةِ يَعِظُهمْ ويُخَوِّفُهم، ويُبَيِّنُ لهمْ عاقِبَةَ الكذِبِ والحيلَةِ لعلَّهمْ يَهتَدون: ويَلَكم، لا تَكذِبوا على الله، ولا تُخيِّلوا للنَّاسِ أشياءَ وَهميَّةً وتدَّعوا أنَّها حَقيقَةٌ وهيَ ليسَتْ كذلك، فإذا فعَلتُمْ ذلكَ عَذَّبَكمُ اللهُ عَذابًا مُهلِكًا، وقدْ خَسِرَ وخابَ مَنْ كذَبَ على الله، فانظُروا ما تُقْدِمونَ عَليه، فإنَّهُ لا خَلاصَ لكمْ مِنْ عَذابِهِ إذا بارَزتُموهُ بالكَذبِ عَليه.

﴿فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ النَّجۡوَىٰ﴾ [طه:62]


فاختلَفَ السَّحَرَةُ وتشاجَروا فيما بينَهمْ بعدَما سَمِعوا كلامَ موسَى عَليهِ السَّلام، وتَشاوَروا في كيفيَّةِ مُغالبَتِه، وتَجاذَبوا الحَديثَ سِرًّا فيما بينَهم.

﴿قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الۡمُثۡلَىٰ﴾ [طه:63]


وانتَهَوا إلى قَولِهم: هذانِ الرَّجُلانِ ساحِرانِ ماهِرانِ في صِناعَةِ السِّحر، يُريدانِ أنْ يَستَولِيا على أرْضِ مِصرَ بسِحرِهما، فإنَّهما إذا غَلباكمْ تَبِعَتْهما العامَّةُ وقاتَلوا معَهما فِرعَونَ، ويُريدانِ بذلكَ أنْ يَقضِيا على عَقيدَتِكمْ ومَذهَبِكمُ القَويمِ الذي يَقودُهُ أشرافُكم،

﴿فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ائۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ الۡيَوۡمَ مَنِ اسۡتَعۡلَىٰ﴾ [طه:64]


فاجتَمِعوا عَليهِما جَميعًا بقوَّتِكمْ وعَزمِكم، وتقَدَّموا صَفًّا واحِدًا، وأَلقُوا ما بأَيدِيكمْ معًا، حتَّى تُرهِبوهُما وتُرهِبوا النَّاسَ جَميعًا، وقدْ فازَ اليَومَ مَنْ غلَبَ الآخَر.

﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ﴾ [طه:65]


قالَ السَّحَرَة: يا موسَى، إمَّا أنْ تُلقِيَ عَصاكَ أوَّلاً، وإمَّا أنْ نُلقِيَ ما بأيدِينا قَبلَك.

﴿قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه:66]


قالَ لهمْ موسَى مُتحَدِّيًا: بلْ أَلقُوا أنتُمْ أوَّلاً.

فأَلقَوها، فإذا حِبالُهمْ وعِصِيُّهمْ تَموجُ في السَّاحَة، وخُيِّلَ لموسَى عَليهِ السَّلامُ - لسِحرِهمُ الشَّديدِ - أنَّها تَمشي حَقيقَة، لولا عِلمُهُ بأنَّهُ لا حَقيقَةَ لها.

﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ﴾ [طه:67]


ولِعِظَمِ هذا السِّحرِ وما جاؤوا به، أسرَّ موسَى في نَفسِهِ خَوفًا، لطَبيعَةٍ بشَريَّة، أو خَشيَةَ أنْ يَفتَتِنَ النَّاسُ بسِحرِهمْ ويَغتَرُّوا بهمْ قبلَ أنْ يُلقيَ عَصاه، فيَلتَبِسَ عَليهمُ الأمر، ويَشكُّوا في أمرِه.

﴿قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ الۡأَعۡلَىٰ﴾ [طه:68]


فأوحَى اللهُ إلى موسَى: لا تَخَف، وادفَعْ عنْ نَفسِكَ هذا الخاطِر، فأنتَ الغالِبُ عَليهم، ولكَ الظَّفَرُ دونَهم.

﴿وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ السَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ﴾ [طه:69]


وأَلقِ عَصاكَ التي في يَمينِكَ على الأرْض، فإنَّها ستَنقَلِبُ إلى حَيَّةٍ عَظيمَةٍ هائلَة، وستَبتَلِعُ كُلَّ ما صنَعوا مِنْ سِحر، وإنَّ ما قامُوا بهِ هوَ حيلَةُ ساحِر، فهوَ تَمويهٌ وتَخييل، وليسَ حَقيقَة، وما كانَ كَذِبًا وتَلفيقًا لا يُثمِرُ ولا يَنجَح، ولا فَوزَ للسَّاحرِ ولا نجاحَ له، كيفَما احتَال، وأينَما ذهَب، فإنَّهُ سيَنكَشِفُ أمرُه، ويَبِيْنُ باطِلُه.

﴿فَأُلۡقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ [طه:70]


وألقَى موسَى عَصاه، وحدَثَتِ المُعجِزَةُ الكبيرَة، فقَدِ ابتَلعَتْ عَصاهُ كُلَّ ما صنَعوا مِنْ سِحر، وعَلِمَ السَّحرَةُ أنَّ هذا شَيءٌ آخَرُ غَيرُ فَنِّهمُ الذي يَعرِفونَهُ جَيِّدًا، ولم يَملِكوا سِوَى الاعتِرافِ بهذهِ الآيَةِ العَظيمَة، فخَرُّوا سُجَّدًا لله، مُؤمِنينَ بهِ تائبينَ إليه، وقالوا في خُشوعٍ ورَهبَةٍ سكنَتْ قُلوبَهم: آمَنَّا برَبِّ هارونَ وموسَى، وكفَرنا بربُوبيَّةِ فِرعون.

﴿قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ النَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ﴾ [طه:71]


قالَ فِرعَونُ للسَّحَرَةِ وقدْ غُلِبَ في كَيدِه، وانقلبَ أنصارُهُ إلى ضِدِّه: أصدَّقتُمْ موسَى قبلَ أنْ أسمَحَ لكمْ بذلك؟ إنَّهُ رَئيسُكمْ ومُعَلِّمُكمُ الذي عَلَّمَكمُ السِّحر، وقدِ اتَّفَقتُمْ معَهُ على ما جرَى لتُظهِروهُ بمَظهَرِ المُنتَصِر، وسَوفَ أُجازيكمْ على ذلكَ بأنْ أُقَطِّعَ أياديكمُ اليُمنى معَ أرجُلِكمُ اليُسرَى، ولأُصَلِّبَنَّكمْ على جُذوعِ النَّخلِ لتَموتُوا جُوعًا وعَطَشًا(79)، وستَعلَمونَ بعدَ ذلكَ مَنْ هوَ أقوَى عَذابًا وأدوَمَه: أنا أمْ رَبُّ موسَى، الذي تَدَّعونَ أنَّهُ سيُعَذِّبُ الضَّالِّينَ بعَذابٍ شَديد؟

(79) الصُّلب: الذي هو تعليقُ الإنسانِ للقتل، قيل: هو شدُّ صُلبهِ على خشب... (مفردات الراغب).

﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ الۡبَيِّنَٰتِ وَالَّذِي فَطَرَنَاۖ فَاقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ الۡحَيَوٰةَ الدُّنۡيَآ﴾ [طه:72]


قالَ السَّحَرَةُ وقدْ آمَنوا حَقَّ الإيمان: لنْ نَختارَكَ على ما جاءَنا بهِ موسَى مِنَ الدَّلائلِ والمُعجِزاتِ واللهِ الذي خلَقَنا، فأينَ هيَ عِصِيُّنا وحِبالُنا التي مَلأتِ السَّاحَةَ الكبيرةَ كُلَّها؟ فاحكُمْ بما تُريد، واصنَعْ ما أنتَ صانِع، فإنَّ أمرَكَ وسُلطانَكَ مُقتَصِرٌ على هذهِ الحَياة، وهيَ مؤقَّتَةٌ زائلَة، وقدْ رَغِبْنا فيما هوَ باق.

﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ السِّحۡرِۗ وَاللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ﴾ [طه:73]


إنَّنا صَدَّقْنا بما جاءَ بهِ موسَى، وآمنَّا باللهِ وحدَه، ليَغفِرَ لنا ما اقتَرَفنا مِنَ الآثامِ والمَعاصي عندَما كنَّا كُفّارًا، وخاصَّةً عملَ السِّحر، الذي أكرَهتَنا على تَعَلُّمِهِ ومُعارَضَةِ موسَى به - وذُكِرَ أنَّ مُعظَمَهمْ كانوا مِنْ بَني إسْرائيلَ - واللهُ خَيرٌ منكَ ثَوابًا إنْ أُطيعَ، وأدوَمُ منكَ عَذابًا إنْ عُصِي.

﴿إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ﴾ [طه:74]


وإنَّ مَنْ يأتي رَبَّهُ يَومَ القِيامَةِ وقدْ مَاتَ مُشرِكًا، فإنَّ عِقابَهُ أنْ يَصْلَى جَهنَّم، لا يَموتُ فيها فيَستَريح، ولا يَحيا حَياةً يَنتَفِعُ بها.

﴿وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ الصَّـٰلِحَٰتِ فَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَٰتُ الۡعُلَىٰ﴾ [طه:75]


ومَنْ يَلْقَهُ مَؤمِنًا وقدْ صَدَّقَ إيمانَهُ بالعمَلِ الصَّالِحِ المُوافِقِ لدِينِ الله، فأولئكَ لهمُ المَنازِلُ العالِيَةُ الرَّفيعَةُ في جَنَّاتِ الله.

﴿جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا الۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [طه:76]


وهيَ جَنَّاتٌ مُعَدَّةٌ للإقامَةِ الدَّائمَة فيها، ومِنْ نَعيمِها وجَمالِها أنَّ الأنهارَ تَجري بين قُصورِها وبسَاتينِها، ويَمكثُ فيها أصحابُها على الدَّوام، فلا رَحيلَ عَنها ولا استِبدالَ بها، وهيَ ثَوابُ مَنْ طَهَّرَ نَفسَهُ مِنَ الكُفرِ والمَعاصي، بطاعَةِ اللهِ والأَوبَةِ إليه.

﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَاضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي الۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾ [طه:77]


ولمّا رفَضَ فِرعَونُ أنْ يُرسِلَ بَني إسْرائيلَ معَ موسَى إلى بَيتِ المَقدِس، أوحَينا إلَيهِ أنْ يَسرِيَ بهمْ في اللَّيلِ منْ مِصرَ للتخَلُّصِ منْ فِرعَونَ واستِعبادِهِ لهم. فاجعَلْ لهمْ طَريقًا في البَحرِ بعَصاكَ يَكُنْ يابِسًا بأمرِ الله، لا تَخافُ أنْ يَصِلَكَ فِرعَونُ وجُنودُهُ مِنْ ورائك، ولا تَخشَى أنْ يُغرِقَكَ وقومَكَ البَحرُ مِنْ أمامِك.

﴿فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ الۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ﴾ [طه:78]


فلَحِقَهمْ فِرعَونُ ومعَهُ جُنودُه، فعَلاهُمْ وغمَرَهمْ مِنْ مَاءِ البَحرِ ما غمَرَهم، فأُغرِقوا جَميعًا، ونَجَّى اللهُ موسَى وقَومَهُ مِنْ بَني إسْرائيل.

﴿وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:79]


وقدْ أضَلَّ فِرعَونُ قَومَهُ بهذا وأغواهُم، بكُفرِهِ واستِكبارِهِ عَنْ قَبولِ الحقّ، وبقَولهِ لهمْ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [سورة النازعات: 24]. ولم يُرشِدْهُمْ إلى الطَّريقِ الصَّحيحِ عندَما أمرَهمْ بتَكذيبِ رَسولِ اللهِ موسَى.

﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ الطُّورِ الۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ الۡمَنَّ وَالسَّلۡوَىٰ﴾ [طه:80]


فاذكُروا ذلكَ واعتَبِروا يا بَني إسْرائيل، فقدْ خلَّصناكُمْ مِنْ عَدوِّكمْ فِرعَون، الذي كانَ يَستَعبِدُكم، ويَقتُلُ أبناءَكم. وواعَدْناكُمْ - بواسِطَةِ نبيِّكمْ - جانِبَ طُورِ سَيناءَ ممّا يَلي يَمينَه(80)، لمُناجاةِ رَبِّهِ وإنزالِ التَّوراةِ عَليه، وأنزَلنا عَليكمُ المَنَّ الذي تَجِدونَهُ على الأشْجارِ حُلوًا كالعَسَل، وأنتُمْ في التِّيه، وطائرَ السُّمانَى القَريبَ المَنال.

(80) الطّور: الجبلُ الواقعُ بين بلادِ الشامِ ومصر، ويُقال له: طورُ سَيناء. (التحرير والتنوير، عند تفسير الآية 52 من سورة مريم).

﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ﴾ [طه:81]


فكُلوا مِنْ هذا الطَّعامِ الطَّيِّبِ الهَنيءِ الذي رزَقناكُم، ولا تَظلِموا أنفُسَكمْ بكُفرانِ هذهِ النِّعمَةِ وغَيرِها، فتُسرِفوا فيها، أو تَمنَعوا حَقَّها، أو تَستَعينوا بها على المَعاصي، فتَجلُبوا بذلكَ غضَبَ اللهِ عَليكمْ وسَخَطَه، ومَنْ يَقَعْ عَليهِ غضَبي فقدْ هلَكَ وسقَطَ في النَّار.