تفسير الجزء 16 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء السادس عشر
16
سورة الكهف (75-110)
سورة مريم
سورة طه

﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ اهۡتَدَىٰ﴾ [طه:82]


وإنِّي كَثيرُ الغُفرانِ لذُنوبِ مَنْ رَجَعَ عمَّا كانَ عَليهِ مِنْ شِركٍ ومَعصِيَة، وآمَنَ بما يَجِبُ الإيمانُ به، وصدَّقَتْهُ جَوارِحُهُ بأداءِ الفَرائضِ والأعمالِ المُوافِقَةِ للشَّرع، ولَزِمَ الاستِقامَةَ حتَّى يَموت.

﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه:83]


وما الذي جعلَكَ تتَقَدَّمُ على قَومِكَ وتُسارِعُ إلى حُضورِ ميعادِ المُناجاةِ قَبلَهمْ يا موسَى؟

﴿قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾ [طه:84]


قالَ موسَى عَليهِ السَّلام: إنَّهمْ قادِمونَ وقَريبونَ مِنَ الطُّور، وقدْ سارَعتُ إلى الميعَادِ للمُبادَرَةِ إلى رِضاكَ يا رَبّ، وشَوقًا إلى مُناجاتِك.

﴿قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:85]


قالَ لهُ رَبُّه، وقدْ أُعطِيَ التَّوراة: لقدِ ابتَلَينا قَومَكَ منْ بَعدِ مُغادرَتِكَ إيَّاهُمْ واستِخلافِكَ هارونَ عَليهم، فقدْ أضَلَّهمُ السَّامِريّ(81)، ودَعاهُمْ إلى عِبادَةِ العِجل، فعكَفوا عَليهِ يَعبدُونَه!

(81) يذكرُ أهلُ التفسيرِ أن السامريَّ منسوبٌ إلى قبيلةِ السامرة، وأنه من بني إسرائيل، لكنَّ الشيخ ابن عاشور يفنِّدُ هذا الرأي، وأنه ليس منسوبًا حتى إلى بلدةِ السامرةِ القريبةِ من نابلس، قال: "ويحتملُ أن يكونَ السامريُّ نسباً إلى قريةٍ اسمُها (السامرة) من قرى مصر، كما قالَ بعضُ أهلِ التفسير، فيكونُ فتًى قبطياً اندسَّ في بني إسرائيل لتعلُّقهِ بهم في مصر، أو لصناعةٍ يصنعها لهم". (التحرير والتنوير).

﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ الۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي﴾ [طه:86]


فعادَ موسَى إلى قَومِهِ مِنَ الميعادِ ومَعَهُ ألوَاحُ التَّوراة، وقدِ اشتدَّ غَضَبُهُ وحُنُقُهُ عَليهم، وقالَ لهمْ بعدَ أنْ ألقَى الألوَاح: يا قَوم، أمَا وعدَكمُ اللهُ ما هوَ خَيرٌ لكمْ وفيهِ حُسْنُ عاقِبَتِكم؟ أفطالَ عَليكمُ انتِظارُ ما وعدَكمُ اللهُ بهِ ونَسِيتُم نِعمتَهُ، أمْ أرَدتُمْ بصَنيعِكمْ السيِّءِ هذا أنْ يَجِبَ عَليكمْ غضَبٌ شَديدٌ مِنْ ربِّكم، فأخلَفتُمْ وعدَكمْ إيّايَ بالثَّباتِ على الدِّينِ حتَّى أرجِعَ مِنَ الميعَاد؟

﴿قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ الۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه:87]


قالَ لهُ بَنوا إسْرائيل: ما أخلَفْنا وعدَنا إيَّاكَ باختِيارِنا، ولكنَّ أنفُسَنا غَلَبَتْنا على ذلك، وكُنّا قدِ استَعَرنا حُليًّا مِنَ القِبطِ قَبلَ الخُروجِ مِنْ مِصر، فألقَيناهُ في النَّارِ لنتَخلَّصَ مِنَ الحَرام، وكذلكَ ألقَى السَّامرِيُّ ما كانَ معَهُ منها،

﴿فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ [طه:88]


فذابَ ذلكَ الذَّهب، فشَكَّلَ السَّامرِيُّ منهُ تِمثالاً على صُورَةِ عِجل، وجعلَ لهُ فتَحات، فإذا تَحرَّكَ فيهِ الهَواءُ أخرجَ صَوتًا كصَوتِ البقَر، وقالَ هوَ ومَنِ فُتِنَ بهِ أوَّلَ رُؤيَتِهِ له: هذا هوَ إلهكمْ وإلهُ موسَى، وقدْ نَسيَهُ هُنا وذهبَ يَبحَثُ عنهُ في جبَلِ الطُّور!

﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾ [طه:89]


ألا يَرَى هؤلاءِ الجهَلَةُ الضَّالُّونَ أنَّ هذا التِّمثالَ لا يَقدِرُ على الكَلام، ولا يُجيبُهمْ إذا خاطَبوه، فلا حياةَ فيهِ ولا رُوح، ولا يَقدِرُ على إيذائهم، ولا يَنفَعُهمْ بشَيء؟!

﴿وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحۡمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي﴾ [طه:90]


وقدْ نبَّهَهمْ هارونُ إلى الإثمِ الذي وقَعوا فيهِ قَبلَ أنْ يَرجِعَ إلَيهمْ موسَى، وقالَ لهم: يا قَوم، لقَدْ وقَعتُمْ في الفِتنَةِ والابتِلاء، وضَلَلتُمْ بفِعلِكمْ هذا، فَربُّكمُ الحَقُّ هوَ اللهُ وحدَه، فاتَّبِعوني فيما أمَرتُكمْ بِهِ مِنْ عِبادَةِ الله، وأطيعوا أمري في تَركِ عِبادَةِ العِجل.

﴿قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ﴾ [طه:91]


فأجابَهُ بَنو إسرائيلَ في حُمْقٍ وعِناد: لا نَزالُ قائمينَ على عِبادَةِ هذا العِجلِ حتَّى يَرجِعَ إلَينا موسَى ويرَى ما نحنُ فيه. وقاموا على هارونَ عليهِ السَّلامُ حتَّى كادوا أنْ يَقتُلوه!

﴿قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ﴾ [طه:92]


ولمـَّا عادَ موسَى إلى قَومِهِ غَضبانَ - وقدْ أخبرَهُ رَبُّهُ بضَلالِهم - توجَّهَ إلى أخيهِ هارونَ الذي خَلَّفَهُ فيهم، وأخذَ بلِحيَتِهِ وقالَ له: ما الذي منعَكَ عندَما رأيتَهمْ يَعبُدونَ العِجل،

﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي﴾ [طه:93]


أنْ تتَّبِعَني فتَغضَبَ للهِ وتُصلِحَ ما أفسَدوه، أخالَفتَ أمرِي؟

﴿قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي﴾ [طه:94]


قالَ هارونُ عَليهِ السَّلامُ وهوَ يَستَعطِفُ أخاه: يا ابنَ أُمِّي، لا تأخُذْ بلِحيَتي ولا بشَعرِ رأسِي، فإنِّي لم أُقَصِّرْ مَعَهمْ في التَّحذيرِ والتَّرهيب، وإنِّي خَشِيتُ إنْ لَحِقْتُ بكَ فأخبَرتُكَ بحالِهم، أو قاتَلتُ بعضَهمْ ببَعض، أنْ تَقولَ إنَّكَ فرَّقْتَ بذلكَ بينَ بَني إسْرائيلَ ولم تُراعِ ما أمَرتُكَ بهِ مِنَ الإصْلاح.

﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ﴾ [طه:95]


قالَ موسَى عليهِ السَّلام: ما شَأنُكَ يا سامِرِيّ، وما الذي حمَلَكَ على هذا الأمرِ العَظيمِ والكُفر المُبِين؟

﴿قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي﴾ [طه:96]


قالَ السَّامِرِيّ: عَلِمتُ ما لم يَعلَمِ القَوم، وفَطِنتُ إلى ما لم يَفطَنوا إليه، فأخَذتُ قَبضَةً مِنَ التُّرابِ مِنْ أثَرِ المَلَك، فألقَيتُها على عِجْلِ الذَّهَب، فصارَ لهُ خُوَار، وهكذا زيَّنَتْ لي نَفسي أنْ أتصَرَّف.

﴿قَالَ فَاذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي الۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَانظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي الۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه:97]


قالَ لهُ موسَى عليهِ السّلام: فاذهَبْ مِنْ بينِ الناس، وعُقوبَتُكَ في الدُّنيا ما دُمتَ حَيًّا، أنْ تَقولَ للنَّاس: لا مِساس، فابتَعِدْ عَنهمْ ولا تُخالِطْهم، لا تَمَسَّ أحَدًا ولا يَمَسُّوك - وأمرَ موسَى بَني إسرائيلَ ألاّ يُخالِطوهُ -. وإنَّ لكَ مَوعِدًا يا سامِرِيُّ للعَذابِ يَومَ القِيامَةِ لا مفَرَّ لكَ منه. وانظُرْ إلى العِجلِ الذَّهبيِّ الذي زَعَمتَ أنَّهُ مَعبودُك، وظلَلْتَ مُقيمًا على عِبادَتِه، لنُحَرِّقَنَّهُ بالنَّارِ حتَّى يَصيرَ رَمادًا، ثمَّ لنُذرِيَنَّهُ في البَحرِ حتَّى لا يَبقَى لهُ أثَر.

﴿إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا﴾ [طه:98]


فهذا الذي يُحرَقُ ويَفنَى ليسَ إلهًا، إنَّما إلهكمُ اللهُ الذي لا إلهَ غَيرُه، الحيُّ الذي لا يَموت، ولا رَبَّ لكمْ سِواه، فهوَ الذي خلَقَكمْ ويرزُقُكم، وقدْ أحاطَ عِلمُهُ بكُلِّ شَيء، فلا يُعبَدُ إلاّ هو.

﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا﴾ [طه:99]


وكذلِكَ نَقُصُّ عَليكَ خبَرَ موسَى أيُّها النبيُّ مِنْ حَوادِثِ الأُمَمِ الماضِيَةِ كما وقعَت، تَذكِرَةً للمُستَبصِرين، وعِظَةً للمُعتَبِرين، وقدْ آتَيناكَ مِنْ عندِنا هذا القُرآنَ العَظيم، مُتَضَمِّنًا تلكَ القَصصَ والحوادِثَ وغَيرَها، لتُبَشِّرَ بها وتُنذِر، وليَتفَكَّرَ فيها النَّاسُ ويَعتَبِروا.

﴿مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ الۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا﴾ [طه:100]


ومَنْ أعرَضَ عَنِ القُرآنِ ولم يَهتَدِ بهَديه، فإنَّهُ يَحمِلُ معَهُ يَومَ الجزاءِ ذَنبًا ثَقيلاً، ويَنتَظِرُ عُقوبَةً كبيرَة.

﴿خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ الۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا﴾ [طه:101]


ماكثينَ في العَذابِ أبدًا، وبئسَ هذا الحِملُ الذي حمَلوهُ وجَرَّهمْ إلى النَّار، وهوَ الكفرُ بالقُرآن.

﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ الۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا﴾ [طه:102]


واذكُرْ ذلكَ اليَومَ الذي يَنفُخُ فيهِ إسرافيلُ في الصُّور - وهو قَرْنٌ -، ونَحشُرُ الكافِرينَ يَومَئذٍ زُرقَ العُيون، سُودَ الوجُوه.

﴿يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا﴾ [طه:103]


وهمْ يَتكلَّمونَ خِفيَة، ويَقولُ بَعضُهمْ لبَعض: إنَّكمْ بَقيتُمْ في الدُّنيا عَشَرَةَ أيّام.

﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا﴾ [طه:104]


ونحنُ مُطَّلِعونَ على ما يَقولونَ في مُدَّةِ لَبْثِهمْ بها، بلْ يَقولُ أعدَلُهمْ رأيًا وأكمَلُهمْ عَقلاً: لم تَلبَثوا سِوى يَومٍ واحِد!

قالوا ذلكَ لسُرعَةِ انقِضائها، أو لِما فوجِئوا بهِ مِنْ أهوالِ يَومِ القِيامَة، التي يَشِيبُ لها الوِلْدان.

﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ الۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا﴾ [طه:105]


ويَسألُكَ النَّاسُ عنْ مَصيرِ الجِبالِ الرَّاسِياتِ في يَومِ القِيامَة، فقُلْ لهم: إنَّ اللهَ يُزيلُها كُلَّها مِنْ أماكنِها، ويَمحَقُها حتَّى يَجعلَها كالرَّمل، وتَصيرَ هَباءً مَنثورًا.

﴿فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا﴾ [طه:106]


ويُبقي الأرضَ سَطحًا مُستَويًا أملسَ.

﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا﴾ [طه:107]


لا ترَى فيها يَومَئذٍ مَيلاً ولا أثَرًا، ولا مُنخَفَضًا ولا مُرتَفَعًا.

﴿يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ الۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا﴾ [طه:108]


في ذلكَ اليَومِ يَستَجيبُ النّاسُ مُسارِعينَ إلى داعي الله، وهوَ إسرافيل، النَّافِخُ في الصُّور، لا يَميلونَ ولا يَعدِلونَ عَنه، وخَفِيَتِ الأصواتُ وسَكتَ أصحابُها مَهابَةً مِنَ اللهِ ورَهبَةً مِنْ أهوالِ يَومِ القِيامَة، فلا تَسمَعُ سِوَى أصواتٍ خافِتَةٍ ووَقْعِ أقدَام.

﴿يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ الشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ الرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا﴾ [طه:109]


في ذلكَ اليَومِ الرَّهيب، لا تَنفَعُ شَفاعَةُ أحَدٍ لأحَد، إلاّ إذا أَذِنَ اللهُ لهُ ورَضيَ بشَفاعَتِهِ ومَقولَتِه، وكانَ مؤمِنًا.

﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا﴾ [طه:110]


واللهُ سُبحانَهُ مُحيطٌ بعمَلِ هؤلاءِ المَحشورِينَ جَميعًا، ما أسَرُّوا وما أخفَوا، وما عَمِلوا مِنْ حَسَناتٍ وسَيِّئات، على الرَّغمِ مِنْ كثرَتِهمْ وكثرَةِ ما عَمِلوا، وهُمْ غَيرُ مُطَّلِعينَ على عِلمِ اللهِ وغَيبِه.

﴿۞وَعَنَتِ الۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ الۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا﴾ [طه:111]


وقدْ خضَعَتِ النُّفوسُ وذَلَّتِ الوجُوه، واستَسلَمَتْ للحَيِّ الذي لا يَموت، القائمِ على حِفظِ كُلِّ شَيءٍ وتَدبيرِه، فلا قُوَامَ ولا حياةَ إلاّ به، وقدْ خَسِرَ في هذا اليَومِ مَنْ أشرَكَ باللهِ ولم يَتَّخِذْ عندَهُ عَهدًا.

﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ الصَّـٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا﴾ [طه:112]


ومَنْ يُطِعِ الله، ويَعمَلِ الأعمالَ الحسَنَة، وهوَ مؤمِن، صادِقٌ في إيمانِه - والإيمانُ شَرطٌ مَبدَئيٌّ وأساسيٌّ لقَبولِ أيِّ عمَل - فسَوفَ يُجزَى علَيها خَيرَ الجَزاء، لا يُزادُ في سَيِّئاتِه، ولا يُنقَصُ مِنْ حسَناتِه، فلا يُمنَعُ ثَوابًا يَستَحِقُّه، بلْ يُضاعَفُ لهُ الثَّوابُ أضعافًا.