تفسير الجزء 17 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء السابع عشر
17
سورة الأنبياء
سورة الحجّ

﴿يَـٰٓأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَاسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ اجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ الذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالۡمَطۡلُوبُ﴾ [الحج:73]


أيُّها النَّاس، لقدْ ضَربَ اللهُ مَثَلاً في حقَارَةِ الأصْنامِ وسَخافَةِ عُقولِ عابِديها، حَقيقٌ بأنْ تَستَمِعوا إليهِ وتَتفَكِّروا فيه. إنَّ هذهِ الأصْنامَ التي تدَّعونَ أنَّها آلِهَةٌ وتَعبدُونَهمْ مِنْ دونِ الله، لا يَستَطيعونَ أنْ يَخلُقوا ذُبابًا، ولو اجتمَعَ جَميعُ أصْنامِ الأرْضِ على ذلك، على الرَّغمِ مِنْ أنَّ الذَّبابَ حشَرَةٌ صَغيرَة، خَفيفَةٌ ضَعيفَة. وإذا اختطَفَ شَيئًا منهم، أو ممّا عَليهم، فلا يَستَطيعونَ كَفَّهُ عَنهم، ولا استِرجاعَهُ منه، فهمْ جامِدونَ لا يَتحَرَّكون، لا يَنفَعونَ ولا يَضُرُّون، ولا يَستَطيعونَ أنْ يَنتَصِروا لأنفُسِهم، ولا أنْ يُدافِعوا عنْ عابِديهمْ بشَيء.

لقدْ ضَعُفَ الصَّنَمُ كما عَلِموا، وضَعُفَ الذُّبابُ، الذي هوَ مِنْ أضعَفِ وأذَلِّ الحيَوانات. فليَنظُروا ما يَعبدُون.

﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:74]


إنَّهمْ لم يَعرِفوا اللهَ حقَّ مَعرِفَتِه، ولم يُعَظِّموهُ حَقَّ تَعظيمِه، حينَ عبَدوا معَهُ غَيرَه، واللهُ هوَ القَويُّ بقُدرَتِهِ على جَميعِ الكَائنات، العَزيزُ الذي غلبَ كُلَّ شَيءٍ وقَهَرَه.

﴿اللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ الۡمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ النَّاسِۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ﴾ [الحج:75]


واللهُ يَختارُ مِنَ المَلائكَةِ مَنْ يَكونَ وسيطًا بينَهُ وبينَ أنبِيائهِ ورسُلِه، كما يَختارُ مِنْ عِبادِهِ رسُلاً يُبَلِّغونَهمْ رِسالاتِه. واللهُ سَميعٌ لأقوَالِ عِبادِهِ ورُسُلِهِ جَميعًا، بَصيرٌ بهمْ وبأحوالِهم.

﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرۡجَعُ الۡأُمُورُ﴾ [الحج:76]


يَعلَمُ ما قَبلَ أحوالِ الرُّسُل، وأحوالَهمْ وأحوالَ أقوامِهمْ وما يُبَلِّغونَه، وما يَكونُ الأمرُ بعدَهم. وإلى اللهِ تَصيرُ الأمُورُ كُلُّها، فهوَ الذي بيدِهِ كُلُّ شَيء، ولهُ الحُكمُ الأخير.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارۡكَعُواْ وَاسۡجُدُواْۤ وَاعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَافۡعَلُواْ الۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩﴾ [الحج:77]


أيُّها المؤمِنون، صَلُّوا لله، واخضَعوا في صَلاتِكمْ لهُ جَلَّ جَلالُه، وخَرُّوا لهُ سُجَّدًا، ووَحِّدوهُ في عِبادَتِكمْ له، ولا تُشرِكوا بهِ شَيئًا، وصِلُوا أرحامَكم، وتمَسَّكوا بمكارِمِ الأخْلاق، لكي تَسعَدوا وتَفوزوا برِضَى اللهِ وجنَّتِه.

﴿وَجَٰهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ اجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي الدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ الۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوٰةَ وَاعۡتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ الۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:78]


وقاتِلوا في سَبيلِ اللهِ كما يَنبَغي، وأخلِصوا جِهادَكمْ لهُ وحدَه، ولا تَخافُوا في ذلكَ أحَدًا، فقدِ اختارَكمْ لدِينِهِ مِنْ بينِ سَائرِ الأُمَم، وشَرَّفَكمْ بأكمَلِ شَرع، وخصَّكمْ بأفضَلِ رَسول، وما جعَلَ عَليكمْ في الدِّينِ مِنْ ضِيقٍ ومَشَقَّة، فلمْ يُكَلِّفْكمْ بما لا تُطيقون، وإذا شَقَّ عَليكمْ أمرٌ منهُ في ظُروفٍ تَطرَأُ عَليكم، فقدْ جعَلَ لكمْ في ذلكَ فرَجًا ومَخرَجًا، ووَسَّعَ عَليكمْ كما وَسَّعَ مِلَّةَ أبيكمْ إبراهيم.

قالَ الحسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: جعلَ اللهُ حُرمَةَ إبراهيمَ عَليهِ السَّلام، كحُرمَةِ الوالِدِ على ولَدِه.

واللهُ سَمَّاكمُ المُسلِمينَ مِنْ قَبلِ أنْ يَنزِلَ القُرآن، في الكتُبِ المُتَقَدِّمِة، كما سَمَّاكمْ بهِ في هذا القُرآن، ليَكونَ الرَّسولُ شَهيدًا عَليكمْ يَومَ القيامَةِ أنَّهُ قدْ بلَّغَكم، وتَكونوا أنتُمْ شُهداءَ على النَّاسِ أنَّ أنبِياءَهمْ قدْ بَلَّغوهم، كما نطقَ بهِ القُرآن، المُنْزَلُ على رَسولِ الأُمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

فقابِلوا هذهِ النِّعمَةَ العَظيمَةَ بشُكرِ اللهِ ومُلازَمَةِ طاعَتِه، فأقيمُوا الصَّلاةَ في أوقاتِها وواظِبوا على أدائها، وآتُوا الفُقَراءَ والمُحتاجِينَ حَقَّهمْ مِنْ أموالِكم. واللهُ ناصِرُكمْ ومُتَوَلِّي أَمرِكم، ونِعمَ الوَليُّ الحافِظُ هو، والنَّاصِرُ لكم، ولنْ يَضِيعَ مَنْ كانَ اللهُ وليَّهُ ولنْ يُخذَل.