﴿أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ الَّذِي يُخۡرِجُ الۡخَبۡءَ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ [النمل :25]
منعَهمْ مِنْ ذلكَ لئلاّ يَسجُدوا للهِ تعالَى، الإلهِ الحَقِّ العالِمِ بالخَفِيَّات، الذي يُظهِرُ المَخبوءَ المَكنونَ ممّا في السَّماءِ والأرْض، وهوَ الذي يَعلَمُ ما تُسِرُّونَ ممَّا في قُلوبَكم، وما تُعلِنونَهُ مِنْ خِلالِ أقوالِكمْ وأعمالِكم، ويُجازي كُلاًّ بما يَستَحِقّ.
﴿اللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الۡعَرۡشِ الۡعَظِيمِ۩﴾ [النمل :26]
هوَ اللهُ الذي لا مَعبودَ بحَقٍّ سِوَاه، فلا يُعبَدُ إلاّ هو، رَبُّ العَرشِ العَظيم، أعظَمِ المَخلوقات.
﴿۞قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ الۡكَٰذِبِينَ﴾ [النمل :27]
قالَ سُليمانُ عَليهِ السَّلامُ للهُدْهُد: سنتَحرَّى ونتثَبَّتُ ممّا ذَكرتَه، أصدَقْتَ فيما أخبَرتَ به، أمْ أنَّكَ كاذِبٌ فيه؟
﴿اذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَانظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ﴾ [النمل :28]
وهذا اختِبارٌ لكَ فيما زَعَمت، اذهَبْ برِسالَتي هذهِ إلى المَلِكَةِ وقَومِها وألْقِها إليهم، ثمَّ تنَحَّ عَنهُم، وكُنْ قَريبًا منهم، وانظُرْ بماذا يُجيبون؟
﴿قَالَتۡ يَـٰٓأَيُّهَا الۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ﴾ [النمل :29]
ووَقعَتِ الرِّسَالَةُ بينَ يَدَيها، فتعَجَّبَتْ ممَّا فيها، وقالَتْ لمَنْ حَولَها مِنْ أصحابِ الرأي ووُجهاءِ القَوم: أيُّها السَّادَةُ والأُمرَاء، لقدْ أُلقِيَتْ إليَّ رِسالَةٌ مَختومَة، عاليَةٌ وقَديرَةٌ في شَكلِها ومَضمونِها!
﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ اللَّهِ الرَّحۡمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل :30]
إنَّها مِنَ النبيِّ المَلِكِ سُلَيمانَ بنِ داود، وإنَّ فيها: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي: أبدأُ بسمِ اللهِ ذي الرحمَةِ الواسِعَة، ورحمتُهُ بالمؤمنينَ خاصَّة.
﴿أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ﴾ [النمل :31]
وفيها: لا تَمتَنِعوا ولا تَتكَبَّروا عَليَّ كما يَفعَلُ جَبابِرَةُ المُلوك، وَأْتُوني مُسلِمينَ موَحِّدين.
﴿قَالَتۡ يَـٰٓأَيُّهَا الۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ﴾ [النمل :32]
ثمَّ خاطَبَتْهُمْ بقَولِها: أيُّها السَّادَةُ والوجَهاء، أشيروا عَليَّ بما عِندَكمْ مِنَ الرأي والتَّدبيرِ فيما عُرِضَ عَليَّ مِنْ هذا الأمر، فما كنتُ قاضِيَةً وفاصِلَةً في شَأنٍ حتَّى تَحضرُوني وتُشيروا عَليّ.
﴿قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَالۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ﴾ [النمل :33]
قالوا لها: نحنُ أصحابُ قُوَّةٍ في الأجساد، وكَثرَةٍ في الأعدَاد، وأصحابُ نَجدَةٍ وشَجاعَةٍ وبَلاءٍ في القِتال، ونحنُ جاهِزونَ للحَربِ إذا أرَدتِ أيَّتُها المَلِكَة، والكلِمَةُ الأخيرَةُ لكِ، فَأْمُرينا بما تَرَيْنَ مِنَ الصُّلحِ أو الحَرب، فنحنُ مُطيعونَ لأمرِكِ.
﴿قَالَتۡ إِنَّ الۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ﴾ [النمل :34]
قالتِ المَلِكَة: إنَّ المُلوكَ إذا دخَلوا بلَدًا عُنوَةً أفسَدوهُ وخرَّبوه، وقصَدوا مَنْ فيهِ مِنَ الحُكَّامِ والأشرَافِ والجُنودِ فأهانوهُمْ غايَةِ الهَوان، إمَّا بالقَتلِ أو بالأسر، ليَستَقيمَ لهمُ الأمر. وكما قالَتِ المَلِكَة، فإنَّهمْ يَفعَلونَ ذلك.
﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ الۡمُرۡسَلُونَ﴾ [النمل :35]
فلجأتْ إلى المُهادَنَةِ والمُصانعَة، وقالَتْ لقَومِها: سأبعَثُ إليهمْ بهَديَّةٍ كبيرَةٍ تُناسِبُ المُلوكَ الكِبار، فلعَلَّهُ يَقبَلُها ويَكفُّ عنَّا، وسأرَى ما الذي يَكونُ جوابُهُ عنْ طَريقِ رسُلي.
﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ اللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ﴾ [النمل :36]
فلمَّا جاءَ رَسولُها سُلَيمان، وسلَّمَ الهَديَّةَ إليه، قالَ له: أتُصانِعونَني بالمالِ لأترُكَكمْ وشِركَكم؟ فإنَّ الذي وهَبَني اللهُ مِنَ النبوَّة، وأنعَمَ عليَّ بالمُلكِ والمالِ والجُنود، هوَ أعظَمُ وأفضَلُ ممّا أنتُمْ فيه، بلْ إنَّ هِمَّتَكمْ في الدُّنيا والفرَحِ بزينَتِها والتفاخُرِ بها، والانقِيادِ للهَدايا والتُّحَفِ فيها، ولستُ على ما تَظنُّونَ مِنْ ذلك، ولا أقبَلُ منكمْ إلاّ الإسْلامَ أو السَّيف.
﴿ارۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [النمل :37]
ارجِعْ إليهمْ بالهَديَّةِ أيُّها الرَّسُول، فسَوفَ نأتيهمْ بجَيشٍ لا طاقَةَ لهمْ بمُقاوَمَتِه، وسنُخرِجُهمْ مِنْ سبأَ مُهانينَ بعدَ أنْ كانوا في عِزٍّ وتَمكين، أسرَى ومَستَعبَدين، إذا لم يأتُوني مُسلِمين.
﴿قَالَ يَـٰٓأَيُّهَا الۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ﴾ [النمل :38]
فرجعَ الرَّسولُ إلى المَلِكَةِ بما قالَ سُلَيمانُ عليهِ السَّلام، فعَرَفَتْ أنَّهُ لا طاقةَ لها ولقَومِها به، فتوَجَّهتْ إليهِ في أتبَاعِها ووُجهاءِ قَومِها، وبعثَتْ إليهِ أنَّها قادِمَةٌ لتَنظُرَ في أمرِه، وما يَدعو إليهِ مِنْ دِين.
وقالَ سُليمانُ عَليهِ السَّلامُ لمَنْ تحتَ يَدِه: مَنْ يأتيني بعَرشِ بَلقِيسَ قبلَ أنْ يَصِلوا إليَّ مؤمِنينَ طائعِين؟ وهذا لاختِبارِ عَقلِها، وإراءَتِها بعضَ الخَوارِقِ الدالَّةِ على صِدْقِ نبوَّتِه.
﴿قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ الۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ﴾ [النمل :39]
قالَ مارِدٌ قَويٌّ مِنَ الجِنّ: أنا آتِيكَ بعَرشِها قبلَ أنْ تَقومَ مِنْ مَجلسِك، ولي قوَّةٌ على حَمْلِ عَرشِها الكبير، ولنْ أُبَدِّلَ منهُ شَيئًا، ولا آخُذُ مِنْ جَواهرِه.
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ الۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ﴾ [النمل :40]
قالَ سُلَيمانُ عَليهِ السَّلام: أُريدُ أعجَلَ مِنْ ذلك. فقالَ واحِدٌ مِنْ بَني إسْرائيلَ لهُ عِلمٌ مِنَ الكِتاب: أنا آتيكَ بسَريرِها قَبلَ أنْ يَنضَمَّ جَفْنُ عَينِكَ بعدَ فَتحِه!
فلمْ يَشعُرْ سُلَيمانُ إلاّ وسَريرُ مُلْكِها يُحمَلُ بينَ يَدَيه! فلمَّا رآهُ ماثِلاً عندَهُ على حالِه، قالَ في خَضوعٍ وخُشوع: إحضارُ السَّريرِ في هذهِ المُدَّةِ المُتناهيَةِ في القِصَر، مِنْ فَضلِ اللهِ ونِعمَتِهِ عَليّ، وليَختَبِرَني: أأشكُرُ فضلَهُ على ذلكَ وأعتَرِفُ بأنَّهُ مِنْ مِنَّتِهِ وحُسنِ تَدبيرِهِ ولُطفِه، أمْ لا أشكرُهُ عَليه؟
ومَنْ شكَرَ اللهَ على نِعَمِهِ فإنَّما يَنفَعُ نفسَهُ بذلك، لأنَّهُ يُعَرِّفُها الحَقّ، ويَستَجلِبُ لها المَزيدَ مِنَ الخَيرِ والنَّفع، ومَنْ لم يَشكُرْ، فإنَّ اللهَ غَنيٌّ عنْ شُكرِه، وعنْ عبادَةِ النَّاسِ وشُكرِهمْ أجمَعين. وهوَ سُبحانَهُ كَريم، فيُنعِمُ على مَنْ لم يَشكُرْهُ أيضًا، ولا يُعَجِّلُ في عُقوبَتِهم.
﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ﴾ [النمل :41]
قالَ سُلَيمانُ للصُّنُعَةِ الماهِرينَ مِنْ حَولِه: غَيِّروا بعضَ صِفاتِ سَريرِ المَلِكَةِ لنَختَبِرها بذلك، ونَنظُرَ هلْ تَعرِفُ أنَّهُ عَرشُها، أمْ أنَّها لا تَهتَدي إلى ذلك؟
﴿فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا الۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ﴾ [النمل :42]
فلمَّا وصلَتْ عُرِضَ عَليها عَرشُها، وقدْ غُيِّرَ ما فيه، وقيلَ لها: أمِثْلَ هذا السَّريرِ كانَ سَريرُكِ الذي كُنتِ تَجلِسينَ عَليهِ في مَملكَتِك؟ قالَتْ وقدْ نظَرَتْ فيه، وكانتْ صاحِبَةَ عَقلِ وذَكاء: إنَّهُ يُشبِهُهُ ويُقارِبُه، حتَّى كأنَّهُ هو! قالَ سُليمانُ عليهِ السَّلام، أو قالَ هوَ وقَومُه: وأُوتِينا نحنُ العِلمَ بِاللهِ وقُدرَتِهِ مِنْ قَبلِ هذهِ المرأة، أو قَبلَ عِلمِها، وكنَّا مُؤمِنينَ قَبلَها.
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ اللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ﴾ [النمل :43]
قالَ اللهُ تَعالَى ما مَعناه: ومنَعَها مِنَ الإيمَانِ ما كانتْ تَعبدُ مِنْ دونِ الله، لأنَّها كانتْ مِنْ قَومٍ راسِخينَ في الكُفر.
﴿قِيلَ لَهَا ادۡخُلِي الصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ الۡعَٰلَمِينَ﴾ [النمل :44]
ثمَّ قيلَ لها: ادخُلي القَصر، وكانَ مِنْ زُجاج، يَجري مِنْ تَحتِهِ الماء، فلمَّا رأتْهُ كذلك، ظنَّتْهُ ماءً كثيرًا يَجرِي، فكشَفَتْ عنْ ساقَيها لئلاّ يَبتَلَّ ثَوبُها بالماء، فقالَ لها سُلَيمانُ عَليهِ السَّلامُ وقدْ لمحَ استِغرابَها ودَهشتَها: إنَّهُ قَصْرٌ مُمَلَّسٌ مُستَوٍ مِنْ زُجاج، وليسَ ماء.
فعرَفتْ أنَّ مُلكَ سُلَيمانَ أعَزُّ مِنْ مُلكِها، وسُلطانَهُ أعظَمُ مِنْ سُلطانِها. ولمَّا عايَنَتْ هذا الأمرَ العَظيم، وجمعَتْ إليهِ المُعجِزاتِ السَّابِقَة، قالَتْ في تبَتُّلٍ وخُشوع: اللهُمَّ إنِّي ظلَمتُ نَفسِي بعِبادَةِ غَيرِك، وتابَعتُ دِينَ سُلَيمان، وأخلَصْتُ معَهُ العُبوديَّةَ للهِ رَبِّ العالَمين، وحدَهُ لا شَريكَ له.
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ اعۡبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ﴾ [النمل :45]
وقدْ أرسَلنا إلى قَبيلَةِ ثَمودَ أخاهُمْ في النَّسَبِ صالِحًا عَليهِ السَّلام، فقالَ لهم: اعبُدوا اللهَ وحدَهُ ولا تُشرِكوا بهِ شَيئًا. فآمنَ بَعضُهم، وبَقيَ على كُفرِهمْ آخَرون، فصَاروا فَريقَينِ يَتخاصَمونَ ويتَجادَلون في الدِّين. (وردَ شَيءٌ مِنْ ذلكَ في سُورَةِ الأعراف، الآيات: 75-79).
﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبۡلَ الۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النمل :46]
فقالَ صالِحٌ عَليهِ السَّلامُ للفَريقِ الكافِر، بعدَما رأى عُتوَّهمْ ومُكابرَتَهمْ عنِ اتِّباعِ الحَق، وطلَبَهمْ إنزالَ العَذابِ بهمْ إنْ كانَ ما يَقولُهُ حَقًّا، قال: يا قَوم، لماذا تَستَعجِلونَ العُقوبَةَ التي فيها شَرٌّ لكم، قَبلَ التَّوبَةِ وطلَبِ الرَّحمَةِ مِنَ الله، التي لكمْ فيها خَيرٌ وفلاح، فهلاّ طلَبتُمْ مَغفِرتَهُ قبلَ عَذابِه، فإنَّ طلبَ الخَيرِ أفضَلُ مِنْ طلبِ الشَّرّ، ولعلَّهُ يَقبَلُهُ منكمْ فيَرحمُكم؟
﴿قَالُواْ اطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمۡ عِندَ اللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ﴾ [النمل :47]
قالوا في جَهالَةٍ وحُمْق: تشاءَمنا بكَ وبمَنِ اتَّبعَك، ولم نرَ منكمْ خَيرًا، بلْ تَتابعَتْ عَلينا الشَّدائد.
فقالَ لهمْ نَبيُّهمْ عَليهِ السَّلام: إنَّ ما تَتشاءَمونَ بهِ هوَ بيدِ اللهِ تعالَى، وما يُصيبُكمْ مِنْ خَيرٍ وشَرٍّ مِنْ عندِهِ سُبحانَه، وما يَنالُكمْ مِنَ الشَّرِّ هوَ بسببِ أعَمَالِكم، وأنتُمْ تُختَبَرونَ بتعاقُبِ السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، وبالأمرِ والنَّهي.
﴿وَكَانَ فِي الۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي الۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ﴾ [النمل :48]
وكانَ في قَريَةِ ثَمودَ (الحِجْر، بينَ الحِجازِ والشَّامِ) تِسعُ عِصابات، يُفسِدونَ فيها وفي غَيرِها مِنَ القُرَى والبُلدان، ولا يُصلِحونَ في شَيءٍ مِنَ الأشيَاء، بلْ كانَ دأبَهمُ الكفرُ والضَّلال.
﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ﴾ [النمل :49]
قالوا بعدَ أنْ تَشاوَروا في أمرِ صالحٍ عَليهِ السَّلام: احلِفوا باللهِ لنَقتُلنَّـهُ معَ أهلِهِ بَغْتَة، ثمَّ نَقولُ لأولِيائه: لم نَحضُرْ مَقتَلَ صالِحٍ وأهلِهِ ولا نَعرِفُ مِنْ هذا الأمرِ شَيئًا، ونحنُ صادِقونَ فيما نَقول.
﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ [النمل :50]
وغدَروا مِنْ خِلالِ الاتِّفاقِ على خُطَّتِهمُ المَذكورَة، ومَكَرْنا بهمْ فأبطَلنا حيلتَهم، وأفشَلنا مؤامرَتَهم، وهمْ لا يَدرُونَ بذلك.
﴿فَانظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [النمل :51]
فانظُرْ ماذا كانتْ نَتيجَةُ مؤامَرَتِهم، فقدْ أهلَكناهُمْ وقَومَهم، ودمَّرْناهُمْ تَدمِيرًا.
وهؤلاءِ الرَّهْطُ كانوا زُعماءَ الكُفرِ ورُؤساءَ الضَّلالِ في ثَمود، وقدْ عقَروا النَّاقةَ التي منعَهمْ نَبيُّهمْ مِنْ ذلك، تَحَدِّيًا وعِنادًا، واستِمطارًا للعَذاب!
﴿فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [النمل :52]
وهذهِ منازِلُهمْ وهيَ ساقِطَةٌ مُتهَدِّمَة، ليسَ فيها أحَد؛ بسَببِ ظُلمِهمْ وتَكذيبِهمْ نبيَّهم. وفي ذلكَ عِبرَةٌ كبيرَةٌ لمَنْ كانَ ذا عَقلٍ وفَهمٍ وتدَبُّر.
﴿وَأَنجَيۡنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [النمل :53]
وأنقَذنا صالِحًا ومَنْ آمنَ معَه، وكانوا صالِحين، يَبتَعِدونَ عنِ المَعاصي والآثام.
﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ الۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ [النمل :54]
وأرسَلنا لوطًا إلى قَومِهِ نَذيرًا لهم، فقالَ وهوَ يُحَذِّرُهمْ ويَنصَحُهمْ ويُشفِقُ عَليهمْ مِنَ العَذاب: يا قَوم، أتَفعَلونَ هذهِ الفِعلَةَ المُنكَرَةَ القَبيحَةَ التي لم يَسبِقْكُمْ إليها أحَد، وأنتُمْ تَعلَمونَ مِنْ أنفُسِكمْ أنَّها فاحِشَةٌ سَيِّئة؟
﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ الرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ النِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [النمل :55]
أتأتونَ الرِّجالَ في أدبارِهمْ لقَضاءِ شَهوَتِكمْ وتدَعُونَ ما خلقَ اللهُ لكمْ مِنَ الزَّوجاتِ وهُنَّ محَلُّ الشَّهوَة؟ بلْ أنتُمْ سُفَهاءُ ماجِنون، تَجهَلونَ عاقِبَةَ فِعلِكمُ الفاحِش، الذي هوَ انتِكاسَةٌ للفِطرَةِ والرجُولَة، وشُذوذٌ وانحِرافٌ في السُّلوك، وأمراضٌ جنسيَّةٌ وغَيرُ جنسيَّة، وعُقوبَةٌ في الدُّنيا، وعَذابٌ في الآخِرَة.