تفسير الجزء 20 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء العشرون
20
سورة النمل (56-93)
سورة القصص
سورة العنكبوت (1-45)

﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ الۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ الۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت:28]


وأرسَلنا لُوطًا إلى قَومِهِ ليَعِظَهمْ ويُنذِرَهم، فقالَ لهم: إنَّكمْ تَقومونَ بفاحِشَةٍ مُنكَرَةٍ لم يَسبِقْكُمْ إليها أحَد، وهيَ فِعلَةٌ قَبيحَة مَشينَة، وشاذَّةٌ مُنكَرَة، مُناقِضَةٌ للفِطرَة، تَنفِرُ منها النفوسُ الكريمَة، ويترَتَّبُ عَليها أمراضٌ كثيرَة، جِنسيَّةٌ وغَيرُ جِنسيَّة.

﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ الرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ الۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ائۡتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّـٰدِقِينَ﴾ [العنكبوت:29]


إنَّكمْ تأتونَ الرِّجالَ في أدبارِهمْ وتَتركونَ ما خلقَ اللهُ لكمْ مِنْ زَوجات، وتَقطَعونَ الطَّريقَ على النَّاسِ فتَقتلونَهمْ وتأخذُونَ أموالَهم، وتَفعَلونَ في مجلسِكمُ الذي تَجتَمِعونَ فيهِ ما هوَ مُنكَرٌ وفاحِشٌ منَ الأقوَالِ والأفعَال.

ذُكِرَ أنَّهمْ كانوا يُلاوِطونَ فيهِ جِهارًا بعضُهم أمامَ بَعض، أو يَضرِطونَ ويَضحَكون، وقيلَ غَيرُ ذلك.

فما كانَ جوابَ قَومِ لُوطٍ لمَّا أنكرَ عَليهمْ إلاّ أنْ قالُوا سُخريَةً منه: ليَنْزِلْ بنا عَذابُ اللهِ إذا كُنتَ صادِقاً فيما تَعِدُنا به.

﴿قَالَ رَبِّ انصُرۡنِي عَلَى الۡقَوۡمِ الۡمُفۡسِدِينَ﴾ [العنكبوت:30]


قالَ لُوطٌ عليهِ السَّلامُ وقدْ عَلِمَ أنْ لا أمَلَ في إصْلاحِهم: اللهمَّ انصُرني بإنزالِ العَذابِ على القَومِ الفاسِدينَ في أخلاقِهمْ وسُلوكِهمْ وسُوءِ أفعالِهم.

﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِالۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ الۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [العنكبوت:31]


ولمَّا جاءَتِ الملائكةُ تُبَشِّرُ إبراهيمَ بإسحَاقَ ويَعقوب، قالوا له: جِئنا لنُهلِكَ أهلَ القَريَةِ التي تَعمَلُ الفاحِشَةَ مِنْ قَومِ لُوط، فهمْ ظالِمونَ مُتمادونَ في الغَيِّ والفَسَاد، لا يَنتَهونَ عنْ فاحِشَةِ اللِّواط.

﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا امۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ الۡغَٰبِرِينَ﴾ [العنكبوت:32]


قالَ لهمْ إبراهيمُ عَليهِ السَّلامُ يُجادِلُهم: لكنَّ فيها لوطًا، فكيفَ تُهلِكونَهمْ وهوَ بينَهم؟ قالوا: نحنُ أعلَمُ مِنكَ بمَنْ فيها مِنَ المؤمِنين، سنُنجيهِ وأهلَهُ مِنْ بينِهمْ قَبلَ أنْ يَنزِلَ بهمُ العَذاب، إلاّ امرأتَهُ الكافِرَة، فإنَّها منَ الباقينَ في القَريَةِ ليُصيبَها ما أصابَهم.

﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا امۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ الۡغَٰبِرِينَ﴾ [العنكبوت:33]


ولمَّا أتَتْ ملائكتُنا لوطًا لم يَعرِفْهمْ أوَّلاً، فساءَهُ أمرُهم، وضاقَتْ نَفسُهُ بهم، خَشيَةَ أنْ يَراهُمْ قَومُهُ فيُؤذونَهم، فقالوا لهُ يُهَدِّؤونَهُ ويُطَمئنونَه: لا تَخَفْ مِنْ قَومِك، فنَحنُ ملائكَةُ الله، سنُخَلِّصُكَ وأهلَكَ مِنَ العَذاب، إلاّ امرأتَكَ العَجوزَ التي لم تؤمِنْ مِنْ بينِ أهلِك، فإنَّها مِنَ الباقينَ في العَذاب.

﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ الۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ [العنكبوت:34]


سنُنْزِلُ بأهلِ هذهِ القَريَةِ المُجرِمينَ عَذابًا مِنَ السَّماء، بسبَبِ فِسقِهمْ وفُجورِهم، وإصرارِهمْ على مَعصِيَةِ الله.

﴿وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [العنكبوت:35]


ولقدْ ترَكنا مِنْ هذهِ القَريَةِ آثارًا ودَمارًا، فيها عِبرَةٌ ظاهِرَة، لقَومٍ يتَدبَّرونَ ويَعتَبِرون.

وقُرَى قَومِ لُوطٍ كانتْ في مَنطِقَةِ البَحرِ الميِّت، وهيَ مَليئةٌ بالآثارِ الدالَّةِ على ما وقعَ بهمْ مِنَ العذاب. وقدْ أثبتَتْ دِراساتُ عُلومِ الأرضِ أنَّ طبقاتُ الصخورِ في مِنطَقةِ جَنوبِ البحرِ الميِّتِ مَقلوبَةٌ رأسًا على عَقِب، كما وردَ في قَولِهِ تعالَى: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ} [سورة هود: 82].

﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ اعۡبُدُواْ اللَّهَ وَارۡجُواْ الۡيَوۡمَ الۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي الۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ [العنكبوت:36]


وأرسَلنا إلى مَدْيَنَ أخاهُمْ في النَّسَبِ شُعَيبًا، وكانوا كُفَّارًا يَغُشُّونَ في البَيعِ والشِّراء، ويُفسِدونَ في الأرض(105)، فقالَ لهم: يا قَوم، اعبُدوا اللهَ وحدَهُ لا شَريكَ له، واخشَوا عَذابَهُ يَومَ القيامَة، فإنَّهُ مُحاسِبُكمْ على أعمالِكم، ولا تُفسِدوا في الأرْضِ بقَطعِ الطَّريق، والتَّحايُلِ على النَّاس.

(105) سمُّوا مَدْينَ باسمِ أبيهم، وهو مَدينُ بن إبراهيم. وقيل: باسمِ مدينتهم. (فتح القدير، عند تفسيرِ الآيةِ 84 من سورةِ هود).

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ الرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ [العنكبوت:37]


فكذَّبوا نبيَّهمْ شُعَيبًا وجحَدوا رِسالتَه، فزَلزَلُ اللهُ الأرْضَ مِنْ تَحتِ أقدَامِهم، وأخذَتْهمْ صَيحَةٌ عَظيمَة، فأصبَحوا في مَكانِهمْ خامِدينَ هامِدين، لا حِراكَ بهم، ولا حِسَّ لهم.

﴿وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ﴾ [العنكبوت:38]


وأهلَكنا عادًا قَومَ هُود، وكانوا كُفَّارًا عُتاةً جَبَّارِين، يَسكنونَ الأحقَافَ، بينَ حَضرَمَوتَ وعُمَان، وأهلَكنا ثَمودَ قَومَ صالِح، وكانوا بينَ الحِجازِ والشَّام، ولهمْ آثارٌ مَعروفَةٌ في "مَدائنِ صالح" ببلادِ الحرَمَين، وكانوا أقوياء، أهلَ مَدنيَّةٍ وثَراء، فكذَّبوا رَسولَهمْ واستَكبَروا عنِ اتِّباعِه. فأهلكَهمُ اللهُ جَميعًا، وقدْ تبيَّنَ لكمْ ذلكَ مِنْ خِلالِ آثارِهمُ التي تَمرُّونَ بها.

ووَسوَسَ الشَّيطانُ في قُلوبِهمْ فحسَّنَ لهمْ ما يَقومونَ بهِ مِنْ أعمالِ الكُفرِ والمَعاصي، فأطاعُوه، فمنعَهمْ مِنْ سُلوكِ الطَّريقِ المستَقيم، واتِّباعِ الحَقِّ المُبين، وكانوا عُقَلاءَ مُتمَكِّنينَ مِنَ التمييزِ بينَ الحقِّ والباطِل، والحَقُّ ظاهِرٌ قَويٌّ بأدلَّتِه، ولكنَّهمْ عانَدوا فجَحَدوا.

﴿وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِالۡبَيِّنَٰتِ فَاسۡتَكۡبَرُواْ فِي الۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ﴾ [العنكبوت:39]


وأهلَكَ اللهُ قارُونَ، الذي كانَ مِنْ بَني إسْرائيل، مِنْ أقرِباءِ موسَى عَليهِ السَّلام، وكانَ ثَريًّا جِدًّا، فأعمَاهُ ذلك، فطغَى وتجبَّرَ على قَومِه، ولم يشكُرْ نِعمَةَ اللهِ عَليه.

وأهلكَ اللهُ فِرعَونَ، الذي استَكبَرَ واستَعلَى وادَّعَى أنَّهُ الربُّ الأعلَى!

ومِثلَهُ وزيرَهُ هامَان، الذي طلبَ منهُ فِرعَونُ أنْ يَبنيَ لهُ صَرْحًا عاليًا جِدًّا ليَطَّلِعَ منهُ على رَبِّ موسَى، كما ادَّعَى ذلكَ عَليهِ لَعنَةُ الله، فبَناهُ له.

وقدْ أيَّدَ اللهُ نبيَّهُ موسَى بمُعجِزاتٍ كبيرَةٍ ظاهِرَةٍ في إعجَازِها، كافيَةٍ للإيمانِ برسالَتِه، ولكنَّهمْ كفَروا واستَكبَروا عنِ الإيمانِ والطَّاعَةِ في هذهِ الأرْض، التي وُلِدوا فيها ليُعمِّروها على أسَاسٍ مِنَ التَّقوَى والصَّلاح. وما كانوا ليَفوتوا أمرَ الله، فهوَ لهمْ بالمرصاد.

﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ الصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ الۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40]


فعاقَبنا كُلاًّ بما يُناسِبُهُ ويُلائمُ جُرمَه، فمنهمْ مَنْ أهلَكناهُمْ بريحٍ عاصِفٍ فيها حَصباء، وهُمْ عادٌ قَومُ هُود، وكانوا أقوياءَ مُتَجبِّرين.

ومنهمْ مَنْ أهلَكناهُ بالصَّيحَةِ القَويَّة، التي خلَعَتْ قلوبَهمْ وأخمَدَتْ أصواتَهم، منَ الهَلَعِ والفَزَع، فصَاروا جاثِمينَ هامِدين، لا حركَةَ لهم، وهُمْ ثَمودُ ومَدْيَن.

ومنهمْ مَنْ خسَفنا بهِ وبدارِهِ الأرض، كقارُون، الذي أَشِرَ وبَطِر، وكفرَ بنِعمَةِ رَبِّه.

ومنهمْ مَنْ أغرَقناهُمْ بماءِ الطُّوفان، وماءِ البَحر، كقَومِ نوحٍ، وفِرعَونَ وجُندِه.

وما كانَ اللهُ ليُهلِكَهمْ بدُونِ ذَنب، ولكنَّهمْ عُوقِبوا لكُفرِهمْ وتَكذيبِهمْ أنبياءَهم، ولظُلمِهمْ وفَسادِهم، ولم يَرتَدِعوا عَنْ ذلك.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ الۡعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ الۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ الۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت:41]


إنَّ مثَلَ المشرِكينَ الذينَ اتَّخَذوا مِنَ الأصْنامِ أو غَيرِها آلِهَةً يَعبدُونَها ويَعتَمِدونَ عَليها مِنْ دونِ الله، ويَرجونَ نَصرَها ومَنفَعَتَها، هوَ كمَثَلِ بَيتِ العَنكبوتِ في ضَعفِهِ ووَهَنِه، الذي لا يَدفَعُ عَنها حَرًّا ولا بَردًا، ولا رِيحًا ولا مطَرًا. فما هوَ سِوَى خيوطٍ حَريريَّةٍ دَقيقَةٍ وناعِمَةٍ جِدًّا، تَفرِزُها وتُكَوِّنُ منها نَسيجًا شبَكيًّا، لا يُحِسُّ بها المَرءُ وهوَ يَقطَعُها، فهوَ أضعَفُ البُيوتِ وأوهَنُها.

وكذلكَ المشرِكون، الذينَ لا يَحصُلونَ على نَفعٍ مِنْ آلِهَتِهمُ التي يَدْعونَها، إلاّ كمَنْ يتمسَّكُ ببَيتِ العَنكبوت، الذي لا يُجدِي شَيئًا. ولو عَلِموا ذلكَ لمَا اتَّخَذوهمْ أولِياء.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ الۡعَزِيزُ الۡحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:42]


واللهُ يَعلَمُ أنَّ الذي يَعبدُونَهُ ليسَ بشَيءٍ يُعبَأُ به، ولنْ يُفيدَهمْ شَيئًا، وليُحاسِبنَّهمْ على عدَمِ استِعمالِ عُقولِهم، وعلى استِكبارِهمْ عنِ اتِّباعِ الحَقّ، واللهُ هوَ القادِرُ القاهِر، الحَكيمُ في أمرِهِ وتَدبيرِه، فكيفَ يُشرِكونَ بهِ أصْنامًا لا تَعي ولا تَتكَلَّم؟!

﴿وَتِلۡكَ الۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا الۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت:43]


وهذهِ الأشبَاهُ والأمثالُ التي في القُرآن، نُبَيِّنُها للنَّاسِ لنُقَرِّبَ بها الحقَائقَ إلى أفهامِهمْ ومدارِكِهم، ولا يتدَبَّرُها ويَستَنتِجُ منها العِبَرَ والفَوائدَ إلاّ الرَّاسِخونَ في العِلم، الذينَ يَعقِلونَ عنِ الله، فيَعمَلونَ بطاعَتِه، ويتَجنَّبونَ سَخَطَه.

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ بِالۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [العنكبوت:44]


خلقَ اللهُ هذهِ السَّماواتِ العَظيمَة، وهذهِ الأرْضَ وما فيها، بالحَقِّ والعَدل، ولحِكمَةٍ وغايَة، وليسَ عبَثًا ولَعِبًا، وفي ذلكَ دلالَةٌ عل تَوحيدِ اللهِ وإبداعِهِ وقُدرَتِهِ وحُسنِ تَدبيرِه، للمُصَدِّقينَ بذلك.

﴿اتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ الۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ الصَّلَوٰةَۖ إِنَّ الصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ الۡفَحۡشَآءِ وَالۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ اللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَاللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت:45]


داوِمْ على تِلاوَةِ كتابِ اللهِ أيُّها الرَّسولُ الكَريم، وبَلِّغْهُ النَّاس، وحافِظْ على إقامَةِ الصَّلاة، فإنَّ المُداوَمةَ عَليها تُعِينُ على تَركِ المُنكَراتِ والفَواحِش، وذِكرُ اللهِ إيَّاكمْ أكبَرُ مِنْ ذِكرِكمْ إيَّاهُ سُبحانَه، قالَ جَلَّ شَأنُه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [سورة البقرة: 152]. واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَهُ مِنْ خَيرٍ وشَرّ، لا يَخفَى عَليهِ شَيءٌ مِنْ ذلكَ، ويُحاسِبُ كُلاًّ بما عَمِل، ويُجازيهِ بما يَستَحِقّ.