﴿وَاخۡتِلَٰفِ الَّيۡلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ الۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ الرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [الجاثية :5]
وفي تَفاوتِ اللَّيلِ والنَّهارِ طُولاً وقَصْرًا، وتَعاقُبِهما المُتَتالي، هذا بظَلامِهِ وهذا بضِيائه، وفيما أنزلَ اللهُ مِنَ السَّحابِ مِنْ مطَر، فسقَى بهِ أرْضًا يابسَةً قاحِلةً لا حَياةَ فيها، فأخرجَ منها أصنافَ الزَّرعِ والنَّبات، والزَّهرِ والثَّمَر، وفي تَصريفِ الرِّياح، للمطَرِ أو للِّقاح، للرَّحمَةِ أو للعَذاب، دافِئةً وبارِدَة، شَرقًا وغَربًا... كُلُّ ذلكَ آياتٌ وأدلَّةٌ على قُدرَةِ اللهِ العَظيمَة، وأنَّهُ الخالِقُ والمُتصَرِّفُ في هذا الكَون، لمَنْ تفكَّرَ في ذلك، وكانَ مِنَ العُقلاءِ الأسْوياء.
﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ اللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِالۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ اللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الجاثية :6]
تلكَ هيَ آياتُ اللهِ المُحكَمَة، بما فيها مِنْ حُجَجٍ وبَيِّنات، نَتلوها عَليكَ مِنَ القُرآن، مُتضَمِّنةً الحقَّ والصِّدق، الذي يَجبُ أنْ يُتَّبَع، فبأيِّ حَديثٍ بعدَ هذهِ الآياتِ المَتلوَّةِ بالحقِّ، والحُجَجِ والبَراهينِ التي فيها، يُصَدِّقونَ ويُسَلِّمون؟
﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ﴾ [الجاثية :7]
الهَلاكُ والعَذابُ لمَنْ كانَ كذَّابًا في قَولِه، آثِمًا عاصيًا لرَبِّه.
﴿يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ اللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الجاثية :8]
يَسمَعُ آياتِ القُرآنِ تُقرَأُ عَليه، ثمَّ يُصِرُّ على الكُفرِ بها، عِنادًا واستِكبارًا، ويَتوَلَّى وكأنَّهُ لم يَسمَعْها، فأَعلِمْهُ بعُقوبَةٍ شَديدَةٍ تَنالُهُ يَومَ القِيامَة.
﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا اتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [الجاثية :9]
وإذا بلَغَهُ شَيءٌ مِنْ آياتِ كتابِنا، استَهزَأَ بها وجعلَها محلَّ سُخريَةٍ وتهَكُّم، فأولئكَ المتَّصِفونَ بتلكَ الصِّفات، أُعِدَّ لهمْ عَذابُ شَديدٌ يُذِلُّهمْ ويُهينُهم، جَزاءَ استِكبارِهمْ واستِهزائهمْ بآياتِنا.
﴿مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية :10]
ومِنْ أمامِهمْ جهنَّمُ تَنتَظِرُهمْ ليَكونوا مِنْ أهلِها الخالدِينَ فيها، ولا يَدفَعُ عنهمُ العَذابَ ما حصَّلوهُ في الدُّنيا مِنْ مالٍ وجَاه، ولا يَنفَعُهمْ ما اتَّخَذوهُ مِنْ آلهَةٍ وعبَدوها، ولهمْ في جهنَّمَ عَذابٌ فَظيعٌ دَائم، لا يَنقَطِعُ عنهم.
﴿هَٰذَا هُدٗىۖ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية :11]
هذا القُرآنُ هِدايَةٌ للنَّاسِ مِنَ الضَّلال، والذينَ كفَروا بآياتِهِ الواضِحَةِ المُحكَمَة، لهمْ أشَدُّ العَذابِ وآلمُه.
﴿۞اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ الۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الجاثية :12]
اللهُ القادِرُ العَليم، الذي ذلَّلَ لكمُ البَحرَ وجعلَ فيهِ مَوازينَ لتَطفوَ عَليهِ السُّفُنُ بالرَّغمِ مِنْ ثِقْلِها، فتَجري فيهِ بإذنِهِ ومَشيئتِه، لتَطلبوا رِزقَكمْ مِنْ فَضلِه، بالتِّجارَةِ والصَّيدِ وغَيرِه، ولتَشكروهُ على ما يَسَّرَهُ لكمْ وأنعَمَ بهِ عَليكم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية :13]
وخلقَ اللهُ لمَنافعِكمْ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنْ مَوجُوداتٍ فيما يَخصُّكم، وجَميعُها مِنْ فَضلِهِ ونِعمَتِهِ عَليكم، وفي ذلكَ كُلِّهِ آياتٌ وأدِلَّةٌ على قُدرَتِهِ وعظمَتِه، لمَنْ يَتفَكَّرُ في خَلقِهِ وبَديعِ صُنعِه.
﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [الجاثية :14]
قُلْ أيُّها الرسُولُ لمَنِ اتَّبعَكَ مِنَ المؤمِنين، يَعفوا ويَتحمَّلوا الأذَى مِنَ الكافِرينَ الذينَ لا يَتوَقَّعونَ نِقمةَ اللهِ وعَذابَه؛ ليَجزيَ المؤمِنينَ خَيرًا على عَفوِهمْ وصَفحِهمْ يَومَ الدِّين.
وجُمهورُ المفَسِّرينَ على أنَّها مَنسوخَةٌ بآياتٍ في القِتال. وقالَ بَعضُهم: لا نَسخَ، لأنَّ المُرادَ هُنا تَركُ النَّزاعِ في المُحَقَّرات، والتَّجاوزُ عنْ بَعضِ ما يؤذي ويوحِش.
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [الجاثية :15]
مَنْ عَمِلَ عمَلاً صالحًا فإنَّ نَفعَ ذلكَ يَعودُ على نَفسِه، ومَنْ أساءَ العملَ فإنَّ وَبالَ عمَلِهِ يَعودُ على نَفسِهِ كذلك، ثمَّ مَرجِعُكمْ إلى رَبِّكمْ بعدَ المَوت، ليُجازِيَكمْ على أعمالِكم، إنْ خَيرًا أو شَرًّا.
﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ الۡكِتَٰبَ وَالۡحُكۡمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ الطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى الۡعَٰلَمِينَ﴾ [الجاثية :16]
وقدْ أنعَمنا على بَني إسرَائيلَ فآتَيناهُمْ التَّوراةَ العَظيمةَ الشَّأن، والقَضاءَ والفَصلَ بينَ النَّاس، والنبوَّة، فقدْ كَثُرَ فيهمُ الأنبِياء، وحكَموا بالتَّوراة، ورَزقناهمُ المآكِلَ والمَشارِبَ الطيِّبَة، وفضَّلناهُمْ على النَّاسِ في زَمانِهم، فكانوا أحسنَ المَوجودينَ آنَذاك.
﴿وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ الۡأَمۡرِۖ فَمَا اخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ الۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ الۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [الجاثية :17]
وآتَيناهُمْ مُعجِزاتٍ ظاهِرات، وأدلَّةً قاطِعاتٍ في أمرِ الدِّين، فما اختلَفوا بعدَ ذلكَ إلاّ بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عَليهم، ووضوحِ الطَّريقِ أمامَهم، بإرسَالِ الرسُلِ إليهم، وإنزَالِ الكتُبِ عَليهم، فترَكوا الدَّليل، ولازَموا الخِلافَ والجِدال، حَسدًا وتَباغُضًا، وعِنادًا واستِكبارًا، واللهُ يَقضي بينَهمْ يَومَ القِيامَةِ بالعَدل، فيما كانوا يَختَلِفونَ فيهِ مِنْ أمرِ الدِّين، ويُمَيِّزُ بينَ المُحِقِّ والمُبطِلِ منهم.
﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ الۡأَمۡرِ فَاتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية :18]
ثمَّ جعَلناكَ أيُّها النبيُّ على طَريقةٍ ثابِتَةٍ وبَيِّنةٍ مِنَ الدِّينِ بعدَ أنبِياءِ بَني إسرَائيل، فالتَزِمْها، وأعرِضْ عنِ المشرِكين، وابتَعِدْ عنْ آرائهمُ الضالَّةِ وأهوائهمُ الزَّائغَة، فإنَّهمْ جاهِلون.
﴿إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ الظَّـٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الۡمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية :19]
إنَّهمْ لنْ يَدفَعوا عنكَ مِنْ عَذابِ اللهِ شَيئًا إنِ اتَّبَعْتَ أهواءَهم، والكافِرونَ بَعضُهمْ أنصَارُ بَعض، لا يَتعاوَنونَ إلاّ معَ مَنْ كانَ مثلَهم، واللهُ تَعالَى مُعينُ عِبادِهِ المؤمِنينَ المُلتَزِمينَ طاعَتَه، وأنتَ قُدوتُهم.
﴿هَٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية :20]
هذا القُرآنُ مَعالِمُ للنَّاسِ ودَلائلُ لهمْ في الحقّ، يُبَيِّنُ لهمُ الأمُورَ على حَقيقَتِها، ويَهديهمْ إلى ما فيهِ فَوزُهمْ وفَلاحُهم، ورَحمَةٌ عَظيمَةٌ لهم، لمَنْ صدَّقَ به، وتيَقَّنَ أنَّهُ مِنْ عندِ اللهِ العَليمِ الحَكيم.
﴿أَمۡ حَسِبَ الَّذِينَ اجۡتَرَحُواْ السَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [الجاثية :21]
بلْ ظَنَّ الذينَ اكتسَبوا السيِّئاتِ أنْ نَجعَلَهمْ كالذينَ آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الحسنَة، في حَياتِهمْ ومَماتِهم، بئسَ ما يَقضُونَ إذًا، أنْ يُساوَى بينَ المؤمِنينَ والمُجرِمين.
﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ بِالۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الجاثية :22]
وخلقَ اللهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما فيهما بالحقِّ والعَدل، ولحِكمَةٍ وغايَة: للإيمَانِ باللهِ وقُدرَتِه، وطاعَتِه، ولِتُثابَ أو تُعاقَبَ كلُّ نَفسٍ بما عَمِلَت، وهمْ لا يُظلَمونَ والحاكِمُ الله، فلا يُنقَصُ مِنْ ثَوابِهم، ولا يُزادُ في عَذابِهم.
﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ اللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية :23]
أفرَأيتَ مَنْ جعلَ هَواهُ ورَغبَتَهُ إلهًا له، فما حسَّنَتْهُ لهُ نَفسُهُ اتَّبعَه، وما قَبَّحَتْهُ ترَكَه، وأضَلَّهُ اللهُ بعدَ بُلوغِ العِلمِ إليه، وقيامِ الحُجَّةِ عَليه، فلا يَزدادُ إلاّ بُعدًا عنِ الدِّين، فيُفَضِّلُ هَواهُ عَليه، وطبَعَ اللهُ على سَمعِه، فلا يَسمَعُ ما يَنفَعُه، ولا يَفقَهُ ما يُقالُ فلا يَتأثَّرُ به، وجعلَ على بصَرِهِ غِطاء، فلا يرَى الدَّليلَ الذي يُهتَدَى به، فمَنْ يَهديهِ بعدَ أنْ أضَلَّهُ اللهُ وهوَ يَعلَمُ أنَّهُ يَستَحِقُّ ذلك، ألا تتَّعِظونَ وتَعتَبِرون؟
﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا الدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية :24]
وقالَ الكافِرون: لا توجَدُ حيَاةٌ إلاّ هذهِ الحيَاةُ الدُّنيا التي نَعيشُها، يَموتُ بَعضُنا ويَحيا آخَرونَ منَّا، ولا حَياةَ بَعدَها، وما يُهلِكُنا إلاّ طُولُ الزَّمان، وكَرُّ اللَّيلِ والنَّهار. وليسَ لهمْ مُستَنَدٌ مِنْ علمٍ أو عَقلٍ على ذلك، ولا يَقولونَ هذا إلاّ ظنًّا وتَخمينًا، وتوَهُّمًا وتَقليدًا، ومِنْ غَيرِ تدَبُّرٍ لحَقائقِ الأمُور، فمُعتقَدُهمْ فاسِد، ورأيُهمْ كاسِد.
﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ائۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [الجاثية :25]
وإذا تُتلَى عَليهمْ آياتُ كتابِنا النَّاطِقَةُ بالحقّ، وأنَّ اللهَ يَبعَثُهمْ بعدَ المَوتِ للحِسابِ والجَزاء، ما كانَ دَليلُهمْ على إنكارِهِ إلاّ أنْ قالوا: أحيُوا آباءَنا السَّابِقين، إنْ كنتُمْ صادِقينَ أنَّ هُناكَ حَياةً بعدَ الموت!
﴿قُلِ اللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ الۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ النَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الجاثية :26]
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُولُ الكَريم: إنَّ اللهَ يُحييكمْ عندَ خَلقِكم، ثمَّ يُميتُكمْ عندَ انقِضاءِ آجالِكم، ثمَّ يَبعَثُكمْ ويَجمَعُكمْ في يَومِ القِيامَة، الذي لا شَكَّ فيه، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ ذلك؛ لجَهلِهم، أو عدَمِ إمعانِهمْ في التَّفكير، أو استِكبارِهمْ عنِ اتِّباعِ الحقّ.
﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ الۡمُبۡطِلُونَ﴾ [الجاثية :27]
وللهِ وحدَهُ مُلكُ السَّماواتِ والأرْض، وهوَ المُتصَرِّفُ فيهما، وعندَما تَقومُ القيامَةُ يَخسَرُ الكافِرونَ خَسارَةً كبيرَة، وقدْ كانوا يُجادِلونَ في دَفعِ الحقِّ بالباطِل، ويُجاهِدونَ في إبطالِ الحُجَجِ البيِّنَة.
﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا الۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الجاثية :28]
وترَى كُلَّ أمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ المَجمُوعَة، المُتَميِّزِ بَعضُها عنِ بَعض، بارِكةً على رُكَبِها، على هَيئةِ الخائفِ الذَّليلِ الذي لا يَدري ما يُفعَلُ به، مِنْ هَولِ ذلكَ اليَومِ وشِدَّتِه، كُلُّ أُمَّةٍ فيها تُدْعَى إلى صَحيفَةِ أعمالِها التي كتبَها الحفَظَة، اليَومَ تُحاسَبونَ على أعمالِكم، وتُجزَونَ عَليها جَميعَها، إنْ خَيرًا، أو شرًّا.
﴿هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِالۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الجاثية :29]
هذا ديوانُ الحفَظَةِ، الذي دَوَّنوا فيهِ جَميعَ أعمالِكمُ التي قدَّمتُموها في الحيَاةِ الدُّنيا، يَشهَدُ عَليكمْ بالحقِّ والعَدل، بدونِ زيادَةٍ ولا نُقصان، لقدْ كنَّا نأمرُ المَلائكةَ أنْ يَكتُبوا أقوالَكمْ وأعمالَكمْ جَميعَها.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ الۡفَوۡزُ الۡمُبِينُ﴾ [الجاثية :30]
فأمَّا الذينَ آمَنوا وأخلَصوا في إيمانِهم، وعَمِلوا فأحسَنوا في أعمالِهم، فإنَّ اللهَ يُدخِلُهمْ جنَّتَه، وهوَ النَّجاحُ البَيِّن، والسَّعادَةُ الكُبرَى يَومَ القيامَة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَاسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ﴾ [الجاثية :31]
وأمَّا الذينَ كفَروا برَبِّهمْ وكذَّبوا رُسُلَه، فيُقالُ لهمْ وقدْ عرَفوا مَصيرَهم: أفما كانتْ تُقرَأُ عَليكمْ آياتي، فأعرَضتُمْ عَنها، واستَكبَرتُمْ عنِ اتِّباعِها، وكنتُمْ قَومًا مُتَكبِّرينَ كافِرين؟
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ اللَّهِ حَقّٞ وَالسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾ [الجاثية :32]
وإذا قالَ لكمُ المؤمِنون: إنَّ ما وعدَ اللهُ بهِ حقٌّ وصِدق، ويَومَ القِيامَةِ آتٍ لا شَكِّ فيه، جحَدتُمْ ذلكَ وقُلتُم: نحنُ لا نَعرِفُ ما هوَ يَومُ القِيامَة، ونحنُ شاكُّونَ فيه، ولا نَتيَقَّنُ إمكانَه.
﴿وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [الجاثية :33]
وظهرَ لهمْ يَومَ الحِسابِ جَزاءُ أعمالِهمُ السيِّئة، وأحاطَ بهمْ ما كانوا يَسخَرونَ منهُ ويَستَبعِدونَ وقوعَهُ مِنَ العَذاب.
﴿وَقِيلَ الۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ [الجاثية :34]
وقيلَ لهم: اليَومَ نَتركُكمْ في العَذابِ تَرْكَ المَنسيِّ، كما ترَكتُمُ الإيمانَ والعمَلَ لِلقاءِ هذا اليَوم، وكذَّبتُمْ بوَعدِ الله، ولا مَكانَ لكمْ سِوى النَّار، ولا ناصِرَ لكمْ يُخَلِّصُكمْ مِنَ العَذابِ الأليم.
﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ اللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ الۡحَيَوٰةُ الدُّنۡيَاۚ فَالۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾ [الجاثية :35]
ذلكمُ العَذابُ الذي جُزيتُمْ به، هوَ بسبَبِ اتِّخاذِكمْ دَلائلَ اللهِ ومُعجِزاتِهِ سُخريَةً ولَعِبًا، وخدَعَتْكمُ الحيَاةُ الدُّنيا بزَخارفِها وشَهواتِها حتَّى استَسلَمتُمْ لها، وقُلتمْ لا حيَاةَ سِواها. فاليَومَ لا يَخرُجونَ مِنَ النَّار، ولا يُطلَبُ منهمْ أنْ يُزيلوا عَتبَ اللهِ عَليهم، فلا عُذرَ ولا تَوبةَ تُقبَلُ منهمْ بعدَ اليَوم، ولا يُرجَعونَ إلى الدُّنيا ليَعمَلوا صالِحاً كما يَدَّعون.