﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ الۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ الۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ [الجن :6]
وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنسِ إذا نزَلوا وَاديًا أو مَكانًا مُوحِشًا، يَعوذونَ بعَظيمِ ذلكَ المَكانِ مِنَ الجِنِّ أنْ يُصيبَهمْ بشَيءٍ يَسُوؤهم، فَزادُوهمْ طُغيانًا بذلك، وتجرَّأتِ الجِنُّ عَليهمْ وآذَوهم.
﴿وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ اللَّهُ أَحَدٗا﴾ [الجن :7]
وأنَّ الإنسَ ظَنُّوا كما ظنَنتُمْ أيُّها الجِنُّ أنْ لنْ يَبعَثَ اللهُ بعدَ هذهِ المدَّةِ رَسولاً، وقدْ أخطَؤوا وأخطَأتُم.
﴿وَأَنَّا لَمَسۡنَا السَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا﴾ [الجن :8]
وأنَّا طلَبنا بُلوغَ السَّماءِ لاستِماعِ كَلامِ أهلِها - حينَ بُعِثَ الرسُولُ صلى الله عليه وسلم - فوَجَدناها مُلِئتْ حُرَّاسًا أقوِياءَ مِنَ المَلائكة، وشُهُبًا مِنَ النُّجوم، تَطردُهمْ وتَمنَعُهمْ مِنَ الاستِماع.
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ الۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا﴾ [الجن :9]
وأنَّا كنَّا نَقعُدُ مِنَ السَّماءِ قَبلَ ذلكَ مَقاعِدَ نَستَمِعُ فيها(154) ، فمَنْ يَستَرِقِ السَّمعَ اليَومَ يَجِدْ شِهابًا راصِدًا له، يُرمَى بهِ فيُهلِكُه.
وكانَ رَميُ الشَّياطينِ بالشُّهُبِ مَوجودًا قَبلَ مَبعَثِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام، ولكنْ أحيَانًا بعدَ أحيَان، وبعدَهُ كانتْ كثرَةُ الشُّهب، والحرَسُ الشَّديد.
(154) أي: مواضعَ نقعدُ في مثلِها لاستماعِ الأخبارِ من السماء... والمقاعدُ جمعُ مقعد، اسمُ مكان، وذلك أن مردةَ الجنِّ كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكةِ أخبارَ السماء، فيُلقونها إلى الكهنة، فحرَسها الله سبحانهُ ببعثهِ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم بالشهبِ المحرقة. (فتح القدير، باختصار).
وفي "كشف الأسرار": أي: مواضعَ لاستماعِ الاخبار. (روح البيان).
[القعودُ] هنا مجازٌ في ملازمةِ المكانِ زمناً طويلاً، لأن ملازمةَ المكانِ من لوازمِ القعود. (التحرير).
﴿وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا﴾ [الجن :10]
وأنَّا لا نَدري هذا الأمرَ الذي حدَثَ في السَّماءِ مِنَ الحرَسِ والرَّمي بالشُهُب، أهوَ شَرٌّ أُريدَ بأهلِ الأرْض، أمْ أرادَ بهمْ رَبُّهمْ خَيرًا وصَلاحًا؟
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا﴾ [الجن :11]
وأنَّا منَّا - مَعشَرَ الجِنِّ - المَوصوفونَ بالصَّلاحِ والمُعاملَةِ الطيِّبة، ومنَّا قَومٌ دونَ ذلك، وكنَّا جَماعاتٍ مُتفَرِّقينَ ذَوي آرَاءٍ مُختَلِفَة.
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ اللَّهَ فِي الۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا﴾ [الجن :12]
وأنَّا عَلِمنا أنَّنا لا نَقدِرُ على الإفلاتِ مِنْ أمرِ اللهِ أينَما كُنَّا في أرجَاءِ الأرْض، ولا يُعجِزُ اللهَ أحَدٌ منَّا إذا طلبَه، ولو أمعنَ في الهرَبِ وجاهدَ في الاختِفاء.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا الۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا﴾ [الجن :13]
وأنَّا لمَّا سَمِعنا القُرآنَ يُتلَى آمَنَّا بهِ مِنْ غَيرِ ترَدُّد، فمَنْ يؤمِنْ برَبِّهِ وما أنزلَهُ على رسُلِه، فلا يَخافُ نَقصًا في الثَّواب، ولا ظُلمًا أو مَكروهًا يَغشَاه.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا الۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا﴾ [الجن :14]
وأنَّا منَّا المسلِمونَ القائمونَ على أمرِ الإيمَانِ والطَّاعَة، ومنَّا الجائرونَ النَّاكِبونَ عنْ طَريقِ الحقّ، فمَنْ أسلمَ فأولئكَ الذينَ قصَدوا الهِدايَةَ والسَّداد، وطلَبوا الفَوزَ والنَّجَاة.
﴿وَأَمَّا الۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا﴾ [الجن :15]
وأمَّا المشرِكونَ النَّاكِبونَ عنْ طَريقِ الحقّ، فكانوا وَقودًا تُسعَرُ بهمُ النَّارُ في جهنَّم.
﴿وَأَلَّوِ اسۡتَقَٰمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا﴾ [الجن :16]
قالَ اللهُ ما مَعناه: وأنَّ الإنسَ والجِنَّ لو امتثَلوا أمرَنا، واستَقاموا على الشَّريعَة، لوسَّعنا عليهمُ الرِّزقَ في الدُّنيا، وجعَلناهمْ في عَيشٍ رَغيد؛
﴿لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا﴾ [الجن :17]
لنَختَبِرَهمْ فيما أنعَمنا بهِ عَليهم، ونَعلمَ المُتَّبِعَ للحقِّ مِنَ المُنحَرِفِ عنه، والشَّاكِرَ للنِّعمَةِ مِنَ الكافِرِ بها. ومَنْ يُعرِضْ عنْ عِبادَةِ ربِّهِ ومَوعِظَتِه، نُصلِهِ عَذابًا شاقًّا مؤلِمًا.
﴿وَأَنَّ الۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن :18]
وأنَّ المساجدَ مَبنيَّةٌ على الإخْلاصِ للهِ والخُضوعِ لعَظمَتِه، فلا تَعبُدوا فيها معَ اللهِ أحدًا، ولا تُشرِكوا بهِ شَيئًا.
﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ اللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا﴾ [الجن :19]
وأنَّ الرسُولَ صلى الله عليه وسلم لمَّا قامَ يَدعو إلى دِينِ اللهِ ونَبذِ الشِّرك، اجتمعَ عليهِ المشرِكونَ وازدحَموا، فكذَّبوهُ وتَعاوَنوا على عَداوتِه، ومنَعوهُ مِنَ التَّبليغِ ونَشرِ الدَّعوة.
﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا﴾ [الجن :20]
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُول: إنَّما أعبُدُ ربِّي، ولا أُشرِكُ في العِبادَةِ أحدًا معَه، وهذا لا يوجِبُ اجتِماعَكمْ على عَداوَةِ ما أدعُو إليه.
﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا﴾ [الجن :21]
قُلْ لهم: إنِّي رسُولٌ مِنَ البشَر، لا أملِكُ مِنْ أمرِ هِدايتِكمْ ولا غِوايَتِكمْ شَيئًا، ولا نَفعِكمْ ولا ضُرِّكمْ، إنَّما القادِرُ على ذلكَ اللهُ وحدَه.
﴿قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا﴾ [الجن :22]
قُل: لنْ يَقدِرَ أحَدٌ على إنقَاذي إذا أرادَني اللهُ بسُوءٍ إنْ عصَيتُه، ولنْ أجِدَ مَلجأً ألُوذُ به، ولا نَصيرًا ألتَجئُ إليهِ مِنْ دونِهِ سُبحانَه.
﴿إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [الجن :23]
لنْ يُجيرَني مِنْ عَذابِ اللهِ إلاّ إذا بلَّغتُ الرسالَة، التي أوجبَ اللهُ عليَّ أداءَها، ففيهِ الأمنُ والنَّجاة. ومَنْ يُخالِفْ أمرَ اللهِ ورسُولِهِ ولم يؤمِن، فإنَّهُ يُعذَّبُ في نَارِ جهنَّمَ خالدًا مُخلَّدًا فيها.
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا﴾ [الجن :24]
حتَّى إذا رَأى المشرِكونَ ما وُعِدوا بهِ مِنَ العَذابِ يَومَ القِيامة، فسيَعلَمونَ عندَئذٍ أيُّ الفَريقَينِ هوَ الضَّعيفُ المَخذول، القَليلُ الذي لا يُؤبَهُ به، المؤمِنون، أمِ المشرِكون؟
وكانَ المشرِكونَ في مكَّةَ يُعيِّرونَ المسلِمينَ بأنَّهمْ قِلَّةٌ مُستَضعَفَة.
﴿قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا﴾ [الجن :25]
قُلْ لهمْ أيُّها الرسُول: لا أدري أقَريبٌ هوَ وَقتُ القيامَةِ الذي تُوعَدونَ به، أمْ أنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلى وَقتٍ أبعَد؟ اللهُ أعلَمُ به.
﴿عَٰلِمُ الۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ [الجن :26]
هوَ اللهُ الذي يَعلَمُ ما غابَ عنْ أبصارِكمْ وإدراكِكم، ولا يُطْلِعُ أحدًا مِنْ خَلقِهِ على ما اختَصَّ بهِ عِلمُه،
﴿إِلَّا مَنِ ارۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا﴾ [الجن :27]
إلاّ مَنِ اختارَهُ ورَضيَ أنْ يُطلِعَهُ على ما يَشاءُ مِنَ الغَيب، مِنْ رَسُولٍ ملَكيٍّ أو بشَريّ، فإنَّهُ يَجعَلُ مِنْ بينِ يدَيهِ ومِنْ خَلفِهِ مَلائكةً يَحفَظونَهُ ويَحرُسُونَهُ مِنْ تعَرُّضِ الشَّياطينِ له.
﴿لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا﴾ [الجن :28]
لأجلِ أنْ يَعلَمَ الرسُولُ أنَّ الرسُلَ قدْ بلَّغوا رِسالاتِ رَبِّهم، معَ حِفظِ المَلائكةِ لهمْ كما يَحفَظونَهُ بأمرِ الله، وأحاطَ عِلمُهُ بما عندَ الرسُلِ وما عندَ المَلائكة، وأحاطَ بعَدَدِ كُلِّ شَيءٍ واستَقصاه، فعرَفَهُ وعَلِمَه، ممَّا كانَ وممَّا سيَكون، فلا يَخفَى عليهِ شَيء.
سورة المزمل - مكية - عدد الآيات: 20
73
﴿يَـٰٓأَيُّهَا الۡمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل :1]
أيُّها الرسُولُ المُتلَفِّفُ بثَوبِه،
﴿قُمِ الَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [المزمل :2]
صَلِّ اللَّيلَ إلاّ قَليلاً منه،
﴿نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ انقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل :3]
نِصفَ اللَّيلِ أوِ انقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَليلاً،
﴿أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ الۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل :4]
أو زِدْ على النَّصف. واقرَأ القُرآنَ على تُؤَدَةٍ وتمَهُّل، وبيِّنْهُ تَبيينًا، ليَكونَ عَونًا على فَهمِهِ وتدَبُّرِه.
(يُنظَرُ نَسخُ ما ذُكِرَ مِنْ صَلاةِ اللَّيلِ في آخِرِ هذهِ السُّورَة).
﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾ [المزمل :5]
إنَّا سنُوحي إليكَ القُرآن، الذي فيهِ مِنَ الفرائضِ والحدُود، والأوَامرِ والنَّواهي، ما هوَ ثَقيلٌ على النَّفس، فتَحتاجُ إلى عَزمٍ ومُجاهدَةٍ ومُصابرَة.
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل :6]
إنَّ العِبادَةَ في ساعَاتِ اللَّيلِ وأوقاتِهِ أثبَتُ لحُضورِ القَلب، وأكثَرُ مُوافقَةً بينَ القَلبِ واللِّسان، وأجمَعُ للخَاطرِ في التِّلاوةِ مِنَ النَّهار، لهَدْأةِ النَّاسِ وسُكونِ الأصوَات.
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾ [المزمل :7]
إنَّ لكَ في النَّهارِ وَقتًا للفَراغِ والاشتِغالِ بالحاجَاتِ وتَدبيرِ الأعمَال، فعَليكَ بالقِيامِ في اللَّيل.