تفسير سورة الأعراف

  1. سور القرآن الكريم
  2. الأعراف
7

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَـٰٓئِفٞ مِّنَ الشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ﴾ [الأعراف:201]


إنَّ عبادَ اللهِ المؤمِنينَ المُطيعين، إذا أصابَتْهٌمْ وَسوَسةٌ منَ الشَّيطانِ، أو ألمَّ بهمْ خاطِرٌ سيِّء، عَرَفوا أنَّ ذلكَ مِنَ الشَّيطان، وتذكَّروا ما أمرَهمُ اللهُ به، فاستَعاذوا بهِ منْ شَرِّه، وأنابوا إلى ربِّهم، فإذا همْ قدْ عَرَفوا خطأهمْ وقوَّموه، واستَقاموا على الطريقِ الصَّحِيح.

﴿وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي الۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ﴾ [الأعراف:202]


وإخوانُ الشَّياطينِ منَ المشرِكين، يَساعِدونَ الشَّياطينَ في الانحرافِ عن الحقِّ وارتِكابِ المعاصي، ويُسَهِّلونَ عليهمْ مُهِمَّتَهم، فهمْ يُضِلُّونَ الناس، فيكونُ ذلكَ إمداداً منهمْ لشياطينِ الجنِّ على الإغواءِ والإضْلال. ولا يَكفُّونَ عنْ ذلكَ حتَّى يُرْدُوهمْ بالكليَّة.

﴿وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا اجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف:203]


وإذا طلبَ المشرِكونَ منكَ أنْ تأتيَ لهمْ بمعجِزة، ولم تأتِهمْ بها، قالوا لكَ في تَهكُّم: لماذا لا تَأتي بها مِنْ عندِك؟

قُلْ ردًّا عليهمْ أيُّها النبيّ: أنا لا آتي بشَيءٍ مِنْ عندِي، ولا أفعلُ إلاّ ما يوحَى إليَّ منَ اللهِ تعالَى. وهذا القُرآنُ حُجَجٌ بيِّنة، وبراهينُ نيِّرة، تَظهرُ حتَّى يُبصِرَها الإنسانُ فيَهتَدي بها، ورَحمَةٌ تَفيض، لمنْ يؤمِنُ به، ويَغتَنِمُ خيرَهُ العَميم.

﴿وَإِذَا قُرِئَ الۡقُرۡءَانُ فَاسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف:204]


وإذا تُلِيَتْ آياتُ القُرآنِ فاسكُتوا واستَمِعوا له، تَعظيمًا وإجلالاً لكلامِ الله، لكي تَهتَدوا به، وتَفوزوا برَحمةِ الله.

وقدْ ذكرَ السَّلَفُ أنَّها نزلَتْ في القِراءَةِ في الصَّلاة. قالَ القاضي البَيضاويُّ في تَفسيرِه: نزَلَتْ في الصَّلاة، كانوا يَتكَلَّمونَ فيها فأُمِروا باستِماعِ قِراءَةِ الإمامِ والإنصاتِ له. وظاهِرُ اللَّفظِ يَقتَضي وجوبَهما حَيثُ يُقرَأُ القُرآن، وعامَّةُ العُلماءِ على استِحبابِهما خارِجَ الصَّلاة. اهـ.

وذكرَ القُرطُبيُّ وآخَرونَ أنَّها عامَّةٌ ولا تُخَصَّصُ إلاّ بدَليل.

﴿وَاذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ الۡجَهۡرِ مِنَ الۡقَوۡلِ بِالۡغُدُوِّ وَالۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الۡغَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف:205]


واذكرِ اللهَ في نفسِك، مُخلِصاً له، مُتضَرِّعاً إليه، مُتذلِّلاً بينَ يَديه، خائفاً منه، مُستَحضِراً عَظَمتَه، وفي صَوتٍ خَفيض، بينَ الجهرِ والمُخافَتة، بما يُناسِبُ الخُشوعَ والرَّهبة، أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه. ولعلَّ المقصودَ مُداومةُ الذكرِ والمواظَبةُ عليه، ليَبقَى القلبُ مَوصولاً بالله. ولا تَكنْ ممَّن يَنسَونَ الله، ويَبتعِدونَ عنْ ذِكْرِه، فإنَّ الفَوزَ في ذِكْرِه، والخَيبةَ في الإعراضِ عنه.

قالَ الفَخرُ الرازيّ: يدلُّ على أنَّ الذكرَ القلبيَّ يجبُ أنْ يَكونَ دائماً... بقَدرِ الطاقةِ البشريَّة.

والمسلمونَ تَبَعٌ لِما خُوطِبَ بهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩﴾ [الأعراف:206]


إنَّ الملائكةَ المقرَّبينَ إلى اللهِ بالفَضلِ والكرامة، المرضيَّ عنهمْ لعِصمَتِهمْ وبراءَتِهم، لا يَتكبَّرونَ عنْ عبادتِه، بلْ يؤدُّونَها بحسَبِ ما أُمِروا به، ويَذكُرونَه، ويُنَزِّهونَهُ عمَّا لا يَلِيقُ بهِ منَ الشِّركِ وغيرِه، ويَسجُدونَ لهُ وحدَه.