﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ الۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [النحل :86]
وإذا رَأى المشرِكونَ يَومَ القِيامَةِ أصنامَهمُ التي جعَلوها شُركاءَ معَ اللهِ في الدُّنيا قالوا: ربَّنا هؤلاءِ همْ شُركاؤنا الذينَ كُنَّا نَعبُدُهمْ مِنْ دونِك، قالوا ذلكَ لإحالَةِ الذَّنْبِ إليهم! فقالتِ الأوثانُ - وقدْ أنطقَها الله - تَبَرُّؤاً منهمْ ومِنْ اتِّهاماتِهم، إنَّكمْ كاذِبون، فلمْ نَطلُبْ منكمْ عِبادَتَنا، ولا طَلَبنَا تَسميتَنا آلِهة.
﴿وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى اللَّهِ يَوۡمَئِذٍ السَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ [النحل :87]
ولم تَبقَ للمُشرِكينَ أيَّةُ حُجَّةٍ يُقَدِّمونَها ليُزيحوا عنْ أنفُسِهمْ عُقوبَةَ النَّار، فاستَسلَموا وانقَادوا للحُكمِ العادِلِ الصَّادرِ بحَقِّهم، ولم تَنفَعْهمْ آلهتُهمُ المزعومَةُ شَيئًا، وقدِ ادَّعَوا أنَّها ستَنصرُهمْ وتَشفَعُ لهم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ الۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ﴾ [النحل :88]
إنَّهمْ كفَروا بالله، ومَنَعوا النَّاسَ منِ اتِّباعِ دينِ الإسْلام، بلْ حمَلوهمْ على الكُفر، فكانتْ عاقِبتُهمْ مُضاعَفَة: عَذابٌ على كُفرِهم، وعَذابٌ على مَنعِهمُ النَّاسَ منِ اتِّباعِ الدِّين؛ وهذا جَزاءُ فَسادِهمْ وإفسادِهم.
﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ الۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل :89]
ويَومَ القِيامَةِ نَبعَثُ نبيًّا في كُلِّ أُمَّةٍ أُرسِلَ إليهمْ في الدُّنيا، ليَشهدَ بما رأى منهمْ منْ إيمانٍ وكُفر، وطاعَةٍ ومَعصِيَة، وجِئنا بكَ - أيُّها النبيُّ - شَاهِدًا تَشهَدُ على أُمَّتِك. وقدْ أنزَلنا عَليكَ القُرآنَ بيانًا لكلِّ شَيءٍ نافِعٍ يُحتاجُ إليه. والمَقصُود: الكُلِّيات، فقدْ جمعَ القُرآنُ جَميعَ الأحْكامِ جَمعًا كُلِّيًا في الغالِب، وجُزئيًّا في المُهِمّ.
وفيهِ هِدايَةٌ للقُلوبِ منَ الضَّلال، ورَحمَةٌ بالنَّاسِ في دَعوَتِهِ وأحكامِه، وبِشارَةٌ للمسلِمينَ بالفَوزِ والفَلاحِ وقدْ آمَنوا به.
﴿۞إِنَّ اللَّهَ يَأۡمُرُ بِالۡعَدۡلِ وَالۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي الۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ الۡفَحۡشَآءِ وَالۡمُنكَرِ وَالۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل :90]
إنَّ اللهَ يأمرُ عِبادَهُ بالعَدلِ والإنصَاف، ليَكونَ ذلكَ قاعِدَةً أساسيَّةً في الحُكمِ والتَّعامُل، لا تَميلُ معَ هوًى ومَنصِب.
ويأمرُ بالإحسَانِ في الأعمَالِ معَ العِباد، والإحسَانِ في العِبادَةِ لله(69) .
ويأمرُ بصِلَةِ الأرحَام، وإعطاءِ الأهلِ والأقرِباءِ حَقَّهمْ منَ البِرِّ والصِّلة.
ويَنهَى عنِ المُحرَّمات، وكُلِّ ما تُنكِرُهُ الفِطرَةُ والشَّريعَة، منَ الأقوالِ والأفعالِ التي يَشيعُ بها الفَساد.
ويَنهَى عنِ الظُّلمِ والتعَدِّي على النَّاسِ والتجَبُّرِ عَليهِم.
يَعِظُكمُ اللهُ بهذا ويُنَبِّهُكمْ إلى أمرهِ ونَهيه، لتَتَذكَّروا بهِ وتُطيعوا.
(69) ... وأما الإحسانُ فمعناهُ اللغويُّ يرشدُ إلى أنه التفضلُ بما لم يجب، كصدقةِ التطوُّع. ومن الإحسانِ فعلُ ما يثابُ عليه العبدُ مما لم يوجبهُ الله عليه، في العباداتِ وغيرها. وقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه فسَّرَ الإحسانَ بأنْ يعبدَ اللهَ العبدُ حتى كأنهُ يراه، فقالَ في حديثِ ابنِ عمرَ الثابتِ في الصحيحين: "والإحسانُ أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراه، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراك". وهذا هو معنى الإحسانِ شرعاً. (فتح القدير).
الإِحسان: الإِخلاصُ في التوحيد، وذلك معنى قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "الإِحسانُ أنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراه". (البغوي).
{وَالإِحْسَانِ}: وأن تُحسنوا الأعمالَ مطلقًا؛ لقولهِ عليه السلام: "إن الله كتبَ الإحسانَ في كلِّ شيء" ... ويدخلُ فيه العفوُ عن الجرائم، والإحسانُ إلى من أساء، والصبرُ على الأوامرِ والنواهي، وأداءُ النوافل.... (روح البيان).
﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ اللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ الۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ اللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ اللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [النحل :91]
والتَزِموا بما عاهَدتُمُ اللهَ عَليه، ونَفِّذوا العُهودَ والمواثيقَ كما أُمِرتُم، وحافِظوا على ما أقسَمتُمْ عَليهِ منها ولا تَنقُضوها بعدَ تأكيدِكمْ عَليها، وقدْ جَعلتُمُ اللهَ شاهِدًا ورَقيبًا على الوَفاءِ بها، واللهُ يَعلَمُ ذلكَ مِنكم، ويُجازيكمْ عليه.
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ اللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ الۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [النحل :92]
ولا تَكونوا - أيُّها المُعاهِدونَ - مِثْلَ تلكَ المرأةِ التي تُبْرِمُ غَزْلَها، ثمَّ لا تَلبَثُ أنْ تَفُكَّهُ بعدَ بَرْمِهِ وإحكامِه، وتَترُكُهُ أنقاضًا وأكوامًا. فهذا مَثَلٌ لمَنْ نقَضَ عَهدَهُ بعدَ تَوكيدِه. فتتَّخِذونَ عَهدَكمُ الذي أقسمْتُمْ عَليهِ خَديعَةً وخِيانَة، بنَقضِكمْ إيّاه، وتَقولونَ إنَّ محمَّدًا (صلى الله عليه وسلم) ومَنْ معَهُ قِلَّةٌ ضَعيفَةُ وقُرَيشٌ أكثَرُ وأقوَى، فتَغدِرونَ بالعَهدِ لتَكونوا معَ الأكثَرِ طلَبًا لمَصالحِكم. وما هذا إلاّ ابتِلاءٌ منَ اللهِ لكم، ليرَى عَزمَكمْ وصِدقَكم، ويَمتَحِنَ وفاءَكم. وفي يَومِ القيامَةِ يَفصِلُ اللهُ بينَ النَّاسِ فيما كانوا يَختَلِفونَ فيهِ في الدُّنيا، ويُبيِّنُ لهمُ الحقَّ في ذلك، ويُجازي كُلاًّ بما يَستَحِقّ.
﴿وَلَوۡ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل :93]
ولو أرَادَ اللهُ لجعلَكمْ أيُّها النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً وعلى دِينٍ واحِد، ولكنْ شاءَ سُبحانَهُ أنْ يُعطيَكمْ حُرِّيَةَ الاختِيار، وقدْ بيَّنَ لكمْ طَريقَ الهُدَى والضَّلال، فيُضِلُّ اللهُ مَنْ سلَكَ مسالِكَ الشَّرِّ والضَّلال، ويَهدي مَنْ سلَكَ مسالِكَ الخَيرِ والهُدَى. وفي كِلتا الحالَتَينِ يَلتَزِمُ كُلٌّ بالعُهودِ والمواثيق، ويُحاسِبُ كُلاًّ بما عَمِل، إنْ خَيرًا أو شَرًّا.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [النحل :94]
ولا تتَّخِذوا حَلِفَكمْ غِشًّا وخَديعَةً في التعامُلِ بينَ بَعضِكمُ البَعض، فتَنحَرِفَ نَفسٌ عنْ طَريقِ الحقِّ بعدَ أنْ كانتْ ثابِتةً عَليه، وتأثَمَ وتُعاقَبَ لأنَّها كانتْ سبَبًا في صَدِّ النَّاسِ عنِ الدِّين، فإنَّ المُسلِمَ إذا حلَفَ للكافرِ ولم يَفِ بوعدِه، لم يَثقِ الكافِرُ بهِ وبدينِه، فيَكونَ قدْ لَحِقَهُ الإثمُ بسَببِ ذلك. ومَنْ فعلَ ذلكَ فلهُ عَذابٌ كبير.
والوفاءُ خُلُقٌ جَميل، وقدْ دخلَ كثيرٌ منَ النَّاسِ الإسلامَ بسببِ صِدقِ مُعامَلةِ التجَّارِ ووَفائهمْ بعُهودِهم.
﴿وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ اللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل :95]
ولا تَستَبدِلوا بما عاهدتمُ اللهَ عليهِ عَرَضًا قَليلًا يَزولُ سَريعًا، فإنَّ ما أعَدَّ اللهُ لكمْ منْ ثَوابٍ على الوَفاءِ بالعَهدِ هوَ أجزَلُ وأعظَم، إنْ كنتُمْ تَعلَمونَ الفَرقَ بينَ الأمرَين.
﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل :96]
وإنَّ ما عِندَكمْ - أيُّها النَّاسُ - مِنْ مَالٍ ومَتاعٍ يَنتَهي ويَزول، فمُدَّتُهُ قَصيرَةٌ مهما كَثُر، وما ادَّخَرَهُ اللهُ في الآخِرَةِ لمنْ صَبرَ على طاعَتهِ مِنْ ثَوابٍ ونَعيمٍ يَدومُ ولا يَنقَطِعُ أبدًا، وسَوفَ نُجازي مَنْ صبرَ على تَكاليفِ الوفاءِ بالعُهودِ أفضلَ ما يُجازَى بهِ المَرءُ على أعمالٍ حسَنةٍ عَمِلَها.
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل :97]
مَنْ عَمِلَ عَمَلاً صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى، وهوَ مؤمِنٌ إيمانًا صَحيحًا، فيَكونُ عَمَلُهُ الصالِحُ مُوافِقًا للشَّريعَة، وخالِصًا لوَجهِ اللهِ الكَريم، فسيُجزَى حياةً طيِّبَةً في الحياةِ الدُّنيا، ولا يُشتَرَطُ فيها المالُ الوَفير، فليسَ هوَ مِقياسًا للسَّعَادَة، لكنَّ المُهِمَّ هوَ الهَناءَةُ والقَناعَةُ والعَافيَة، والتَّوفيقُ للطَّاعَة، وفي الآخِرَةِ يُجزَى ثوابًا هوَ أفضَلُ ما يُجازَى بهِ على أعمالٍ حسَنَةٍ عَمِلَها.
﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ الۡقُرۡءَانَ فَاسۡتَعِذۡ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيۡطَٰنِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل :98]
فإذا أردتَ قِراءَةَ القُرآنِ الكريم، فاسألِ اللهَ أنْ يُعيذَكَ مِنْ وَسواسِ الشَّيطانِ المُبعَدِ عنِ الخَيرِ كُلِّه، حتَّى لا يَلبِسَ عَليكَ قِراءَتَكَ ويَخلِطَ عَليك، ويَمنعَكَ منَ التدبُّرِ والتفكُّر.
والاستِعاذَةُ أمرٌ مَندوبٌ إليه، ويَقولُ القارِئ: أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم، أو: أعوذُ باللهِ السَّميعِ العَليمِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم.
﴿إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل :99]
إنَهُ ليسَ للشَّيطانِ تسَلُّطٌ وسَيطرَةٌ على المؤمِنينَ المُتوَكِّلينَ على ربِّهم، الذينَ يَستَعيذونَ به، ويُفَوِّضونَ أمرَهمْ إليه، وبهِ يَثِقون.
"فالذينَ يتَوجَّهونَ إلى اللهِ وحدَه، ويُخلِصونَ قُلوبَهمْ لله، لا يَملِكُ الشَّيطانُ أنْ يَسَيطِرَ عَليهم، مَهما وَسْوَسَ لهم، فإنَّ صِلَتَهمْ باللهِ تَعصِمُهمْ أنْ يَنساقُوا معَهُ ويَنقادُوا إليه. وقدْ يُخطِؤون، لكنَّهمْ لا يَستَسلِمون، فيَطرُدونَ الشَّيطانَ عَنهمْ ويَثوبونَ إلى ربَّهمْ مِنْ قَريب". قالَهُ صاحِبُ "الظِّلال" رَحِمَهُ الله.
﴿إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَالَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ﴾ [النحل :100]
إنَّما تَسَلُّطُ الشَّيطانِ على الذينَ يُطيعُونَهُ ويَنساقونَ معَهُ ويَستَسلِمونَ لإغوائه، فاتَّخَذوهُ وليًّا منْ دونِ الله، وأشرَكوا باللهِ استِجابةً لِما سوَّلَهُ في نفُوسِهم.
﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَاللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل :101]
وإذا أنزَلنا آيَةً منَ القُرآن، وجَعلناها بدَلَ آيَةٍ أُخرَى سابِقَة، نَسخًا لها، واللهُ أعلَمُ بما يَصلُحُ لخَلقِهِ فيما يُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ مِنْ أحْكام، ويأخذُهمْ فيها بالتَّدريج، قالَ المشرِكونَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم: أنتَ كاذِب، تأمرُ أصحابَكَ بأمرٍ ثمَّ تَنهاهُمْ عَنه، هذا لا يَكونُ منْ كلامِ الرَّبّ، بلْ هوَ منْ كلامِك! لكنَّ أكثرَ المشرِكينَ جاهِلون، لا يَعلَمونَ ما في تَبديلِ الأحكامِ مِنْ مَصالِحَ وحِكَم، فإنَّ اللهَ يُبَدِّلُها بعِلمِهِ وحِكمتِهِ بما يُوافِقُ أحوالَ العِباد ومَصالِحَهم.
﴿قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ الۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل :102]
قُلْ لهمْ أيُّها النبيّ: لقدْ نَزَّلَ القُرآنَ الكريمَ جِبريلُ مِنْ عندِ اللهِ بالصِّدقِ والعَدل، ليُثَبِّتَ اللهُ قُلوبَ المؤمِنينَ على ما هُمْ مُؤمِنونَ به، ليَزدادوا إيمانًا ويَقينًا بما نَزَلَ مِنْ عندِهِ أوَّلاً وأخِيرًا، وتَطمَئنَّ قُلوبُهمْ به، وليَكونَ هاديًا لهمْ إلى الحقّ، ومُبَشِّرًا إيَّاهمْ بالفَوزِ والنَّصر.
﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ﴾ [النحل :103]
ونحنُ نَعلمُ أنَّ المشرِكينَ يَقولونَ إنَّ الذي يُعَلِّمُ محمَّدًا رَجُلٌ نَصرانيّ - وكانَ عَليه الصلاةُ والسلامُ يَدخلُ عَليهِ ويُكَلِّمُه - ولُغَةُ الذي يَميلونَ إليهِ ويُشيرونَ إليهِ أعجَميٌّ لا يُفصِحُ ولا يُبِيْن، وهذا القُرآنُ لُغَتُهُ عَرَبيَّةٌ فَصيحَةٌ بيِّنَة، فكيفَ لأعجَميٍّ لا يَعرِفُ التكلُّمَ بالعَربيَّةِ جَيِّدًا أنْ يُعَلِّمَ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم هذا الكِتابَ المُعجِزَ في بَيانهِ وبلاغَتِهِ؟
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ اللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل :104]
والذينَ لا يُصَدِّقونَ بأنَّ القُرآنَ موحًى بهِ منْ عندِ الله، لا يُرشِدُهمْ اللهُ إلى حَقيقَةِ أمرِه، وذلكَ لكُفرِهمْ وإعراضِهمْ عنِ الإيمانِ بهِ والاهتداءِ إلى آياتِه، ولهمْ عَذابٌ شَديدٌ لإصرارِهمْ على الإعراضِ عنْ كِتابِ اللهِ وتَكذيبِ رَسولِه.
﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي الۡكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ اللَّهِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ الۡكَٰذِبُونَ﴾ [النحل :105]
ورَسولُ اللهِ صادِقٌ أمينٌ لا يَكذِب(70) ، إنَّما يَرتَكبُ جَريمةَ الكذِبِ المشرِكونَ والمُلحِدون، الذينَ يَكفرونَ بآياتِ اللهِ الواضِحَةِ ومُعجِزاتِه الصَّادِقة، فهؤلاءِ همُ الكاذِبونَ حَقًّا، ماداموا يُكَذِّبونَ ما هوَ واضِحٌ وحَقّ.
(70) الافتراءُ هو الكذب، وهو مرادفُ الاختلاق، وكأن أصلَهُ كنايةٌ عن الكذبِ وتلميح، وشاعَ ذلك حتى صارَ مرادفًا للكذب. (ينظر التحرير والتنوير، عند تفسير الآية (94) من سورة آل عمران).
﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِالۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [النحل :106]
إنَّ الكافِرَ حَقًّا مَنْ كفرَ بعدَ أنْ رَأى نورَ الإيمانِ واطمأنَّ بهِ قَلبُهُ واعتنقَ الإسْلام، فارتدَّ مُؤْثِرًا الحياةَ الدُّنيا على الآخِرَة، وصُحبَةَ أهلِ الكُفرِ على أهلِ الإيمان، إلاّ مَنْ فُتِنَ في دِينِهِ وعُذِّبَ وأُكرِهَ على الكُفرِ ولكنَّ قَلبَهُ مَليءٌ بالإيمانِ وحُبِّ اللهِ ورَسولِه، فهؤلاءِ مؤمِنونَ حَقًّا، وإنْ نَطَقوا بالكُفرِ ظاهِرًا تحتَ التَّعذيبِ والإكرَاه.
والكافِرُ الصَّريحُ هوَ مَنْ فتحَ صَدرَهُ للكُفر، وقَبِلَهُ طَواعيَةً واختِيارًا، فهؤلاءِ عَليهمْ غَضَبٌ عَظيمٌ وسُخْطٌ منَ الله، ولهمْ عَذابٌ كَبيرٌ يومَ القِيامَة، لعِظَمِ جُرمِهم.
وقدْ نزَلتِ الآيَةُ في عَمّارِ بنِ ياسِر، فقدْ عُذِّبَ منْ قِبَلِ المشرِكينَ وأُجْبِرَ على كَلِمَةِ الكُفر، وقَلبُهُ مُطْمَئنٌّ بالإيمَان.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسۡتَحَبُّواْ الۡحَيَوٰةَ الدُّنۡيَا عَلَى الۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهۡدِي الۡقَوۡمَ الۡكَٰفِرِينَ﴾ [النحل :107]
ذلكَ بأنَّ هؤلاءِ المُرتدِّينَ فضَّلوا الحياةَ الدُّنيا، بشَهواتِها وإغراءاتِها وأهلِها، على الصَّبرِ على طاعَةِ اللهِ والعمَلِ لليَومِ الآخِر، واللهُ لا يَهدي الكافِرينَ إلى الإيمانِ والثَّباتِ عليهِ ما دامُوا رافِضينَ لسُبُلِهِ والطُّرقِ المؤدِّيَةِ إليه، ولا يُرشِدُهمْ إلى الجنَّة، الخاصَّةِ بالمؤمِنينَ الثابتينَ على إيمانِهم.
﴿أُوْلَـٰٓئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ الۡغَٰفِلُونَ﴾ [النحل :108]
أولئكَ الكافِرونَ المُرتَدُّونَ ختَمَ اللهُ على قُلوبِهم، وسَمعِهم، وأبصَارِهم، فقدْ عانَدوا واستَكبَروا وأصَرُّوا على الخَطأ، ولمْ يَستَخدِموا حواسَّهمْ للوصُولِ إلى الحقّ، بلْ طمَسوها وجنَّبوها مَسالِكَ الفِطرة، وصَاروا غافِلينَ عمَّا يَنتَظِرُهمْ مِنْ حِسابٍ وعِقاب.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي الۡأٓخِرَةِ هُمُ الۡخَٰسِرُونَ﴾ [النحل :109]
حقًّا إنَّ هؤلاءِ مَغبونونَ خائبونَ يَومَ القِيامَة، وقدْ حصَدوا ما بذَروهُ منْ كُفر، وجنَوا ما صَرَفوا إليهِ أعمارَهمْ مِنْ غَيرِ تَدَبُّر، وآثَروا الدُّنيا على الآخِرَة.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل :110]
وإنَّ ربَّكَ وليُّ الذينَ هاجَروا إلى دارِ الإسْلامِ وناصِرُهم، وقدْ تَركوا بلادَهمْ وأموالَهمْ وأهَاليهم، وفُتِنوا في دِينِهمْ - وكانوا منْ ضِعافِ العَربِ - وأكرَهَهُمُ المشرِكونَ على موافَقَةِ مِلَّةِ الكُفر، وقدْ آمنَتْ قُلوبُهم، فكانوا معَ المسلِمينَ في جِهادِهمْ ضدَّ الكافِرين، وصبَروا على مَواقِفِ الإيمانِ والهِجرةِ والجِهادِ وتَكاليفِها، فاللهُ يَغفِرُ لهمْ ويَرحَمُهمْ يَومَ مَعادِهم، جَزاءَ صَبرِهمْ على طاعَةِ ربِّهم.
﴿۞يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [النحل :111]
في يَومِ القيامَةِ المَخُوفِ لا يُسمَحُ لأحَدٍ بأنْ يُدافِعَ عنِ الآخَر، بلْ كُلُّ نَفسٍ تَحتَجُّ وتُدافِعُ عنْ نَفسِها وتَسعَى لخَلاصِها، لا تأبَهُ بوالِدٍ ولا ولَد. وتُعطَى كُلُّ نَفسٍ جَزاءَ ما كسَبَتْهُ في الدُّنيا، مِنْ خَيرٍ وشَرّ، جَزاءً وافيًا عادِلاً، لا يُبخَسُ مِنْ حَقِّها شَيء.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ اللَّهِ فَأَذَٰقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الۡجُوعِ وَالۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [النحل :112]
وضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَريَةً - هيَ مَكَّةُ - كانتْ آمِنَةً مُستَقِرَّة، لا يُغَارُ عَليها ولا يُؤذَى مَنِ التَجأ إلى البَيتِ فيها ولو كانَ قاتِلاً، ومَنْ حَولَهمْ منَ النَّاسِ في حَربٍ وهَيَجانٍ وفِتنَة. ويأتيها قُوتُ أهلِها مِنْ أنواعِ الأطعِمَةِ والثِّمارِ مِنْ جَميعِ النَّواحي بسُهولَة، وهمْ في وادٍ لا يَنبُتُ فيهِ زَرع، وحولَهمْ جِبالٌ جَرداء، فجَحَدوا نِعَمَ اللهِ بدَلَ شُكرِهِ عَليها، وعَبَدوا الأصنامَ معَه، فابتَلاهمُ اللهُ بالجُوعِ والقَحطِ سَبعَ سِنين، وجَهِدوا حتَّى أكَلوا العِظامَ والجِيَف.
وكانتْ بُعوثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وسَراياهُ تَطيفُ بهم، فكانوا يَخافونَ ويَتوَقَّعونَ الإغارَةَ عَليهم، فأُبدِلوا بأمنِهمْ خَوفًا؛ جَزاءَ بَغيهمْ وشِركِهم، وعَدَمِ تَقديرِهمْ لِما أنعَمَ اللهُ بهِ عَليهمْ مِنْ رِزقٍ وأمْن، لعلَّهمْ بذلكَ يتَذكَّرونَ نِعمتَهُ ويَدَعُونَ الشِّركَ ويؤمِنونَ بالإسْلام.
﴿وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [النحل :113]
ومِنْ أعظَمِ نِعَمِ اللهِ عَليهمْ أنْ بعثَ فيهمْ رَسولاً مِنْ بَينِهم، يَعرِفونَهُ صَادِقًا أَمينًا، يَدْعُوهمْ إلى عِبادَةِ رَبِّ هذا البَيت، وتَركِ عِبادَةِ الأصْنام، ولكنَّهمْ لم يُقَدِّروا هذهِ النِّعمةَ العَظيمَة، فكفَروا برِسالتِهِ وكذَّبوه، فأخذَهمْ عَذابُ الخَوفِ والجُوع، بظُلمِهمْ وتَكذيبِهمْ رَسولَ رَبِّهم.
﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَاشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [النحل :114]
فكُلوا أيُّها المُؤمِنونَ ممّا رزَقَكمُ اللهُ مِنَ الحَلالِ الطيِّبِ النَّافِع، واشكُروا نِعمتَه، فهوَ المُتفَضِّلُ بها عَليكم، إنْ كنتُمْ تُريدونَ الاستِقامَةَ على دينِه، والإخلاصَ في العِبادَةِ له.
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ الۡمَيۡتَةَ وَالدَّمَ وَلَحۡمَ الۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ اللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ اضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل :115]
إنَما حرَّمَ اللهُ عَليكمْ منَ المَطعومات: المَيْتةَ التي لم تُذبَح، ما عدا السَّمكَ والجَراد. وحرَّمَ الدَّمَ، ولحمَ الخِنزير، سواءٌ ذُبِحَ أو ماتَ حَتفَ أنفِه، وما ذُبِحَ على غيرِ اسمِ الله، منَ الأصْنامِ والطَّواغيتِ ونَحوِها.
ومَنْ ألجأتْهُ الضرورةُ إلى أكلِها وفَقَدَ غيرَها منَ الأطعِمة، فلا بأسَ مِنْ أكلِها، مِنْ غيرِ بَغْيٍ ولا اعتِداء: منْ غيرِ أنْ يُؤْثِرَ نفسَهُ في هذهِ الضَّرورةِ على مُضْطَرٍّ آخَرَ مثلِه، ولا أنْ يأكلَ زيادةً على سدٍّ جَوْعَتِه.
فاللهُ يَغفِرُ لهُ عندئذٍ ما أكلَ مِنَ الحَرام، وهوَ رَحيمٌ بهِ إذْ أحلَّ لهُ ذلكَ في حالِ الاضْطِرار.
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ الۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الۡكَذِبَۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [النحل :116]
ولا تَكذِبوا فتَدَّعوا تَحريمَ ما أحَلَّهُ الله، أو تَحليلَ ما حرَّمَه، فيما اصطَلَحتُمْ عليهِ ووَضَعتُموهُ في جاهِليَّتِكمْ، وتَقولوا إنَّ اللهَ أمرَنا بهذا، فتُحَرِّمونَ ما سيَّبتُموهُ للأصنام... كما في قَولِهِ تَعالَى: {وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [سورة الأنعام: 138]. قالَ ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ الله: ويَدخلُ في هذا كلُّ منِ ابتَدَعَ بِدعَةً ليسَ فيها مُستَنَدٌ شَرعيّ، أو حَلَّلَ شَيئاً ممّا حرَّمَ الله، أو حرَّمَ شَيئاً ممّا أباحَ الله، بمُجرَّدِ رأيهِ وتَشَهِّيه. اهـ.
فالتَّحليلُ والتَّحريمُ لا يَكونُ إلاّ بتَشريعٍ منَ اللهِ ورَسولِه. والذينَ يَكذِبونَ على اللهِ لا فَلاحَ لهمْ في الدُّنيا والآخِرَة، ولا يَنجونَ منْ عَذابِ الله(71) .
(71) الافتراءُ هو الكذب، وهو مرادفُ الاختلاق، وكأن أصلَهُ كنايةٌ عن الكذبِ وتلميح، وشاعَ ذلك حتى صارَ مرادفًا للكذب. (ينظر التحرير والتنوير، عند تفسير الآية (94) من سورة آل عمران).