تفسير الجزء 14 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الرابع عشر
14
سورة الحِجر
سورة النحل

﴿مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [النحل:117]


وحياتُهمْ في الدُّنيا واستِمتاعُهمْ بملذَّاتِها قَليلٌ زائلٌ لا يَستَحِقُّ الذِّكر، ولهمْ في الآخِرَةِ عَذابٌ شَديدٌ دائم، وهُناكَ الخَيبَةُ والخُسران.

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [النحل:118]


وحرَّمنا على اليَهودِ ما قَصَصناهُ عَليكَ مِنْ قَبل، في سُورةِ الأنعام {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الآية 146}. ولمْ نَظلِمْهمْ بذلك، بلْ كانتْ هذهِ الأحكامُ عُقوبَةً لهمْ بسَبَبِ مَعاصِيهمُ المُتكَرِّرَة، واستِمرارِهمْ في العِنادِ والتَّكذيبِ والرَّفضِ، فهمْ مُستَحِقُّونَ لذلك.

وقدِ استقَرَّ ما هوَ حَلالٌ وحَرامٌ كما هوَ في دِينِ الإسْلام، فقدْ نسَخَ كُلَّ الشرائعَ السَّابِقَة.

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:119]


وإنَّ مَنْ عَمِلَ ذَنْبًا بجَهالَة - وكُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فهوَ جاهِلٌ - ثمَّ أقلَعَ عنْ ذَنبِه، تَائبًا إلى الله، عازِمًا على عَدَمِ العَودَةِ إليه، مُتبِعًا ذلكَ بعَمَلٍ صالِحٍ يَدُلُّ على استِقامَةِ سُلوكِه، فإنَّ اللهَ بعدَ إحداثِ تَوبَتِهِ يَغفِرُ ذَنبَه، ويَرحَمُهُ ولا يُعَذِّبُهُ به.

﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ الۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النحل:120]


إنَّ نبيَّ اللهِ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ كانَ إمامًا يُقتَدَى به، اجتمَعَ فيهِ مِنَ الخِصالِ الحَميدَةِ ما اجتمَعَ في أُمَّة! مائلاً عنِ الشِّركِ إلى التَّوحيدِ الحقّ، مُستَقيمًا عَليه، خاشِعًا مُطيعًا لرَبِّه، فهوَ إمامُ الحُنفاءِ وأبو الأنبِياء. وكانَ بَريئاً مِنَ الشِّرك، ومَنَ اليَهوديَّةِ والنَّصرانيَّة، فقدْ كانَ قَبلَهم.

﴿شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ اجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل:121]


وكانَ شَاكِرًا لنِعَمِ الله، مُثنيًا عَليه، قَولاً وعمَلاً، وقدِ اختارَهُ اللهُ واصطَفاهُ مِنْ بينِ عِبادِهِ نَبيًّا ورَسُولاً عَظيمًا، وأرشدَهُ ووَفَّقَهُ إلى التَّوحيدِ الخالِص، وعِبادَةِ اللهِ وحدَه.

﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي الدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي الۡأٓخِرَةِ لَمِنَ الصَّـٰلِحِينَ﴾ [النحل:122]


وقدْ أعطَيناهُ في الدُّنيا جِماعَ أمورِ الخَيرِ ممّا تَكتَمِلُ بهِ الحياةُ الطيِّبَة، مِنَ الرِّسالَة، والخُلَّة، ومكارِمِ الأخلاق، والسِّيرَةِ الحسَنة، والثَّناءِ الحسَن، حتَّى إنَّ جَميعَ الأديانِ تُثني عَليه. وهوَ في الآخِرَةِ مِنْ عِدادِ الصَّالِحينَ في الدَّرَجاتِ العُليا منَ الجَنَّة.

﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ اتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ الۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النحل:123]


ثمَّ أمَرناكَ - يا خاتمَ الأنبياءِ - أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ في التَّوحيد، فقدْ كانَ على طَريقَةٍ مُستَقيمَةٍ خالِصَة، مائلاً عنِ الشِّرك، بَعيدًا عَنه.

﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبۡتُ عَلَى الَّذِينَ اخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ الۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [النحل:124]


ولمْ يَكنْ يَومُ السَّبْتِ منْ شَعائرِ إبراهيمَ عَليهِ السَّلامُ كما يَدَّعي اليَهود، إنَّما جُعِلَ يَومَ عِبادَةٍ لهمْ وحدَهم، وكانوا بَعْدَه. ويَبدو أنَّهُ كانَ هُناكَ اختِلافٌ في شَأنِ هذا اليَومِ أو اختيارِه، أو أنَّ بعضَهمُ استَحلَّهُ وحرَّمَهُ آخَرونَ منهم. وفي يَومِ القِيامَةِ يَقضي اللهُ بينَ المُختَلِفينَ فيه، ويُبَيِّنُ لهمُ الحقَّ في ذلك، ويُجازي كُلاًّ بما يَستَحِقّ.

﴿ادۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالۡحِكۡمَةِ وَالۡمَوۡعِظَةِ الۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِالَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِالۡمُهۡتَدِينَ﴾ [النحل:125]


ادعُ إلى الإسْلامِ بالكَلِمَةِ الطيِّبَة، والحُجَّةِ المُقنِعَة، والأسْلوبِ الحسَن، برِفق، معَ مُراعاةِ أحوالِ المُخاطَبينَ وبيئاتِهم وتَخَصُّصاتِهم، وناظِرِ المُخاصِمينَ وجادِلْهُمْ بالوَجهِ الحسَن، في حِلمٍ وتأنٍّ، ورَحمَةٍ مَشفوعَةٍ بالنُّصح، إلاّ مَنْ عاندَ وتعَدَّى.

واللهُ أعلَمُ بمَنْ أعرضَ عنِ الإسْلامِ واختارَ طريقَ العِنادِ والضَّلال، وهوَ أعلَمُ بمَنْ فتَحَ قَلبَهُ للحَقِّ واختارَ طريقَ الهِدايَةِ والإيمان، وإنَّما عَليكَ التِّبليغُ وبيانُ وجهِ الحقّ، وليسَ عَليكَ هِدايَتُهم.

﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ [النحل:126]


وإذا أرَدتُمْ مُعاقبَةَ أحَد، فَلتَكنْ مُعاقبَتُكمْ لهمْ بمثلِ ما عُوقِبتُمْ به، فافعَلوا بهمْ مثلَ ما فعَلوا بكم، ولا تَزيدوا، وإذا صبَرتُمْ عنِ المُعاقبَةِ بالمِثْلِ وعَفَوتُم، فهوَ فَضْلٌ منكمْ وحُسْنُ خُلُق، وللصَّبرِ ثَوابٌ عَظيم. {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سورة الشورَى: 43]، {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزُّمَر: 10].

﴿وَاصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِاللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ﴾ [النحل:127]


واصبِرْ على أذَى النَّاسِ وإعراضِهم، وخاصَّةً في شُؤونِ الدَّعوَة، وما صَبرُكَ وثباتُكَ إلاّ بمَعونَةِ اللهِ وتَوفيقِه، فهوَ الذي يُعِينُ على الصَّبر، ويُثَبِّتُ العَزيمَةَ في القَلب، ويُزَيِّنُ هذا الخُلُقَ الجَميلَ في النَّفسِ المؤمِنَةِ للدُّعاةِ الصَّادقينَ المُخلِصين، ولا تَحزَنْ على مَنْ خالفَكَ وأعرضَ عنْ دَعوَتِك، ولا يَضِقْ صَدرُكَ بما يَكيدونَ لك، فاللهُ حافِظُكَ ومُؤيِّدُك.

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ [النحل:128]


إنَّ اللهَ وليُّ عِبادِهِ المُتَّقينَ وراحِمُهم، الذينَ يُطيعونَهُ ويَخشَونَهُ في سِرِّهمْ وعَلانيَتِهم، والذينَ يُحسِنونَ عمَلَهمْ معَ الله، كما يُحسِنونَ إلى خَلقِهِ ويُشفِقونَ عَليهم.