﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكۡرَ وَخَشِيَ الرَّحۡمَٰنَ بِالۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ﴾ [يس :11]
إنَّما يَقبَلُ إنذارَكَ ويَنتَفِعُ بهِ الذينَ يتَّبِعونَ القُرآن، ويَخافونَ اللهَ ويتَّقونَهُ وإنْ لم يرَوه، وهمْ يَعلَمونَ أنَّهُ يَراهُمْ ويطَّلِعُ على أعمالِهم، فبَشِّرْ هؤلاءِ بمَغفِرَةٍ لذنُوبِهم، وثَوابٍ كبيرٍ لهم، وأجرٍ حسَنٍ يَنتَظرُهم.
﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ الۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ [يس :12]
سنُحيي الأموَاتَ جَميعًا يَومَ القِيامَة، ونكتُبُ كُلَّ ما قدَّمُوا مِنْ أعمَال، ممَّا باشَرُوهُ بأنفُسِهم، وما كانوا سبَبًا له، بأنْ كانوا دُعاةَ أمرٍ، فاتَّبعَهُ مَنْ بعدَهم، فنَكتبُ آثارَهمْ عَليهمْ أيضًا، وجَميعُ الأشياءِ مَكتوبٌ ومَحفوظٌ في أُمِّ الكتاب: اللَّوحِ المَحفوظ.
﴿وَاضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ الۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا الۡمُرۡسَلُونَ﴾ [يس :13]
واضرِبْ هذا المثَلَ الذي يَنطَبِقُ على حالِ المُشرِكين، فهؤلاءِ أصحابُ قَريَةٍ كانوا مُشرِكينَ مِثلَهم، فجاءَهمُ المُرسَلون.
ذكرَ قَتادَةُ مِنْ بينِ المفسِّرينَ القُدامَى وتابعَهُ كثيرٌ مِنَ المتأخِّرين، أنَّ المَقصودَ بالمُرسَلينَ الثَّلاثَةُ الذينَ أرسلَهمْ عيسَى عليهِ السَّلامُ إلى أهلِ أنطاكيَة، وقدْ نقدَهُ ابنُ كثيرٍ واستَبعدَه، وذكرَ أنَّ الصَّحيحَ أنَّهمْ رُسُلُ الله.
﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ اثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ﴾ [يس :14]
إذْ أرسَلنا إليهمْ في المرَّةِ الأُولَى اثنَينِ منهم، يَعِظانِهمْ ويَدعُوانِهمْ إلى اتِّباعِ الدِّينِ الحقّ، لكنَّهمْ كذَّبوهما، فشدَدْنا أزرَهما برَسُولٍ ثالِث، فقالوا لأهلِ القَريَة: نحنُ مُرسَلونَ إليكم، ونَدعوكُمْ إلى عِبادَةِ اللهِ وحدَه، وأنْ تَترُكوا ما أنتُمْ عَليهِ مِنْ شِرك.
﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ الرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ﴾ [يس :15]
فرَدُّوهمْ وقالوا لهم: أنتُمْ لستُمْ سِوَى بشَرٍ مثلِنا، فلِمَ أُوحيَ إليكمْ ولم يُوحَ إلينا؟ ما أنزَلَ اللهُ عَليكمْ شَيئًا ممَّا تدَّعون، وأنتُمْ كاذِبونَ فيما تَقولون.
﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ﴾ [يس :16]
قالَ لهمُ المُرسَلون: إنَّ اللهَ الذي أرسلَنا إليكمْ يَعلَمُ أنَّنا صادِقونَ فيما نَقول، ولو كذَبْنا لخذَلَنا وانتقَمَ منَّا.
﴿وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا الۡبَلَٰغُ الۡمُبِينُ﴾ [يس :17]
والذي عَلينا هوَ أنْ نُبَلِّغَكمْ ما أُرسِلنا بهِ تَبليغًا واضِحًا بيِّنًا على الوَجهِ المَطلوب.
﴿قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [يس :18]
قالوا للمُرسَلين: لقدْ تَشاءَمنا بكمْ ولم نرَ في مَجيئكمْ خَيرًا، وإذا لم تَنتَهوا عنْ دَعوَتِكمْ فسَوفَ نَرميكُمْ بالحِجارَة، أو يُصيبُكمْ منَّا عُقوبَةٌ شَديدَة.
﴿قَالُواْ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ﴾ [يس :19]
قالَ لهمُ الرسُل: إنَّ ما أصابَكمْ وتَشاءَمتُمْ بهِ منَّا هوَ بسبَبِ عَقيدَتِكمُ الفاسِدَةِ وأعمالِكمُ السيِّئة، فشُؤمُكمْ مَردودٌ عَليكم، فإذا وعَظناكمْ ودعَوناكمْ إلى الحقّ، جابَهتُمونا بهذا الكلامِ واتَّهَمتُمونا بما لم نَفعَلْه، بلْ أنتُمْ عُصاةٌ مُشرِكون، قدْ تجاوَزتُمُ الحدَّ في العِصيان.
﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا الۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ اتَّبِعُواْ الۡمُرۡسَلِينَ﴾ [يس :20]
وجاءَ رَجُلٌ مِنْ طرَفِ المَدينَةِ يُسرِعُ في مَشيهِ حِرصًا على إيصَالِ نُصحِهِ إلى قَومِه، وقدْ هَمُّوا بإيذاءِ الرسُلِ الذينَ أُرسِلَ إليهم، فقالَ لهم: يا قَوم، اتَّبِعوا هؤلاءِ المُرسَلينَ الذينَ يَدْعونَكمْ إلى الحقّ،
﴿اتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [يس :21]
اتَّبِعوا هؤلاءِ الصَّادِقينَ العَفيفينَ الذينَ لا يَطلُبونَ مالاً مِنْ ورَاءِ تَبليغِ رِسالَتِهم، وهمْ مُهتَدونَ إلى الحقّ، ثابِتونَ عَليه،
﴿وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [يس :22]
ولماذا لا أعبدُ الإلهَ الذي خلقَني، وما الذي يَمنَعُني مِنْ ذلكَ ومِنْ إخلاصِ العِبادَةِ لهُ وَحدَه، وإليهِ تُرجَعونَ يَومَ البَعث، ليُحاسِبَكمْ على أعمالِكمْ ويُجازيَكُمْ عَليها؟
﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ الرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ [يس :23]
وهلْ يُعقَلُ أنْ أجعلَ معَ اللهِ أصْنامًا أعبدُها، فإذا أرادَ اللهُ أنْ يُصيبَني بمُصيبَة، مِنْ فَقرٍ ومرَضٍ وبَلاء، لا تُفيدُني شَفاعَتُهمْ شَيئًا، ولا يَستَطيعونَ أنْ يُنقِذوني مِنْ ضُرٍّ أصابَني؟
﴿إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [يس :24]
إنَّني إنْ فعَلتُ ذلكَ فأنا زائغٌ وعلى انحِرافٍ بَيِّنٍ لا يَخفَى.
﴿إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَاسۡمَعُونِ﴾ [يس :25]
لقدْ آمَنتُ برَبِّكمُ الذي خلَقَكمْ ورَزقَكم، فاسمَعوا قَولي وتفَكَّروا فيهِ واقبَلُوه، فهوَ خَيرٌ لكم.
﴿قِيلَ ادۡخُلِ الۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ﴾ [يس :26]
فمات، أو قُتِل، فوَجبَتْ لهُ الجنَّة، فلمَّا رأى الثَّوابَ على الإيمانِ والصَّبرِ على الطَّاعَةِ قال: يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ،
﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الۡمُكۡرَمِينَ﴾ [يس :27]
بالذي وهبَ لي رَبِّي، فغفَرَ لي ذَنبي ورَحِمَني، وأكرَمَني مِنْ فَضلِهِ بجنَّاتِ النَّعيم.