تفسير الجزء 25 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الخامس والعشرون
25
سورة فصلت (47- 54)
سورة الشورى
سورة الزخرف
سورة الدخان
سورة الجاثية

﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:3]


إنَّا أنزَلنا القُرآنَ في ليلَةٍ مُبارَكة، كثيرَةِ الخَيرِ والثَّواب، هيَ ليلَةُ القَدْرِ في شَهرِ رَمضان. إنَّا كنَّا مُنذِرينَ بهِ الخَلق، ومُنَبِّهينَ فيهِ إلى ما يَنفَعُهمْ وما يَضرُّهمْ في الحيَاةِ الدُّنيا، وما يَنتَظرُهمْ مِنْ حِسابٍ وجَزاءٍ يَومَ القيامَة.

﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:4]


في تلكَ اللَّيلَةِ المُبارَكةِ مِنْ كُلِّ عام، يُفْصَلُ كُلُّ أمرٍ مُحْكَمٍ في شأنِ العِباد، لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّر.

﴿أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ﴾ [الدخان:5]


أمرًا مُقَدَّرًا ومُدَبَّرًا مِنْ عندِنا، إنَّا كنَّا مُرسِلينَ إلى النَّاسِ رَسولاً مِنْ عندِنا يُخبِرُهمْ بما نُوحي إليه.

﴿رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ السَّمِيعُ الۡعَلِيمُ﴾ [الدخان:6]


رَحمَةً مِنْ رَبِّكَ بالنَّاس، حتَّى لا يَبقُوا في حَيرَةٍ وضَلال، إنَّهُ السَّميعُ لأقوَالِ العِباد، العَليمُ بأحوَالِهم.

﴿رَبِّ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ [الدخان:7]


رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بينَهما، خَلقًا، ومُلكًا، وتَدبيرًا، إنْ كنتُمْ مِنْ أهلِ الإيمَانِ والإيقَان.

﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الۡأَوَّلِينَ﴾ [الدخان:8]


لا إلهَ غَيرُه، ولا مَعبودَ بحقٍّ سِواه، يُحيي الأموَاتَ بقُدرَتِهِ وقدْ صَاروا عِظامًا باليَة، ويَسلُبُ حياةَ مَنْ شَاءَ متَى شَاء، بأسبابٍ ظاهِرةٍ وخَفيَّة، مَعروفَةٍ أو غَيرِ مَعروفَة، وهوَ خالقُكمْ ورازِقُكمْ ومالِكُ أمرِكم، أنتمْ وآبائكمْ وأجدادِكمْ أجمَعين.

﴿بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ﴾ [الدخان:9]


بلِ المشرِكونَ في شَكٍّ مِنَ الدِّينِ الحقّ، وهمْ لاهُونَ غَيرُ مُبالِين.

﴿فَارۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ﴾ [الدخان:10]


فانتَظِرْ بهمْ يَومًا شَديدًا، عندَما تأتي السَّماءُ بدُخانٍ ظاهِرٍ يَراهُ النَّاسُ كُلُّهم. وهوَ مِنْ أمَاراتِ السَّاعَة.

﴿يَغۡشَى النَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [الدخان:11]


يُحيطُ هذا الدُّخانُ بالنَّاسِ ويَعُمُّهم، و"يأخذُ المؤمِنَ كالزَّكمَة، ويأخذُ الكافِرَ فيَنتَفِخُ حتَّى يَخرُجَ مِنْ كُلِّ مِسمَعٍ منه"، كما في الحَديثِ الذي جوَّدَ سندَهُ ابنُ كثير.

﴿رَّبَّنَا اكۡشِفۡ عَنَّا الۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ﴾ [الدخان:12]


فيَستَغيثُ الكافِرونَ باللهِ مِنْ شِدَّةِ هذا الكرْب، ويَدْعُونَهُ قائلين: ربَّنا اكشِفْ عنَّا ما أصابَنا، فإذا كشفتَ عنَّا آمنَّا وانقَدْنا لِما أمَرتَنا.

﴿أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ﴾ [الدخان:13]


ولكنْ كيفَ يَتذَكَّرونَ هذا ويَصدُقونَ في وَعدِهمْ بالإيمَان، وقدْ سبقَ أنْ أرسَلنا إليهمْ رَسُولاً مُؤيَّدًا بمُعجِزات،

﴿ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ﴾ [الدخان:14]


فأعرَضوا عنهُ وكفَروا برِسالَتِه، وقالوا في حقِّهِ إنَّهُ يُعَلَّمُ مِنْ قِبَلِ غُلامٍ أعجَميّ، وأنَّهُ مَجنونٌ لا يَعي ما يَقول؟!

﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ﴾ [الدخان:15]


هذا عَذابٌ (عُقوبَةٌ في الحيَاةِ الدُّنيا) نَصرِفُهُ عنكمْ زَمانًا قَليلاً أيُّها الكافِرون، وسَوفَ تَعودونَ إلى ما كنتُمْ عَليهِ مِنَ الضَّلالِ بعدَ صَرفِهِ عنكم.

﴿يَوۡمَ نَبۡطِشُ الۡبَطۡشَةَ الۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:16]


في يَومِ القِيامَةِ نُنزِلُ بكمُ العُقوبَةَ الكُبرَى، ونَنتَقِمُ منكمْ جَزاءَ كُفرِكمْ بآياتِنا وتَكذيبِكمْ رسُلَنا.

﴿۞وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ﴾ [الدخان:17]


ولقدِ اختبَرْنا قبلَ هؤلاءِ المشرِكينَ قَومَ فِرعَونَ بمِصر، وأرسَلنا إليهمْ نَبيًّا مُكرَّمًا، هوَ كَليمُ اللهِ موسَى.

﴿أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ﴾ [الدخان:18]


فقالَ لهم: أطلِقوا بَني إسْرائيلَ مِنَ الظُّلمِ والاستِعباد، وأرسِلوهمْ مَعي، إنِّي مُرسَلٌ إليكمْ مِنْ قِبَلِ الله، وأنا أمينٌ على وَحيه.

﴿وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى اللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ [الدخان:19]


ولا تَستَكبِروا على اللهِ بتَركِ طاعَتِه، ولا تَتعالَوا على آياتِهِ ومُعجِزاتِه، إنِّي آتيكمْ بحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدلُّ على صِدقِ نُبوَّتي.

﴿وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ﴾ [الدخان:20]


وإنِّي التَجأتُ إلى اللهِ خالِقي وخالقِكمْ واستَجَرتُ بهِ مِنْ أنْ تُؤذُوني أو تَقتُلوني.

﴿وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَاعۡتَزِلُونِ﴾ [الدخان:21]


وإذا لم تؤمِنوا بما أدعُوكمْ إليه، فتنَحَّوا عنِّي، وكفُّوا عنِّي لسانَكم.

﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ﴾ [الدخان:22]


فلمَّا جاءَهمْ بمُعجِزاتٍ مِنْ رَبِّه، ازدَادوا كُفرًا وعِنادًا، فدَعا رَبَّهُ قائلاً: إنَّ هؤلاءِ قَومٌ أُغرِقوا في الكُفر، وتَشرَّبَتْ نُفوسُهمْ بالمَعصيَة، فافعَلْ بهمْ ما يَستَحِقُّونَه.

﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الدخان:23]


فأوحَى اللهُ إلى موسَى: أنْ اخرُجْ ببَني إسرائيلَ ومَنْ آمنَ مِنْ قَومِ فِرعَونَ ليلاً، فإنَّ فِرعَونَ وجُنودَهُ سيتَّبِعونَكم.

﴿وَاتۡرُكِ الۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ﴾ [الدخان:24]


واترُكِ البَحرَ ساكِنًا على هَيئَتِهِ بعدَ عُبورِه، ولا تَضرِبْهُ بعَصاكَ مرَّةً أُخرَى ليَعودَ كما كان، فإنَّ فِرعَونَ وجُنودَهُ داخِلونَ فيه، غارِقُون.

﴿كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٖ وَعُيُونٖ﴾ [الدخان:25]


فأُغرِقوا فيها جَميعًا. كمْ خلَّفوا مِنْ بَساتينَ خَضراء، وأنهارٍ وعُيونٍ مُتفَجِّرَة،

﴿وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ﴾ [الدخان:26]


وزُروعٍ، وقُصورٍ عاليَة، ومَساكِنَ أنيقَة،

﴿وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ﴾ [الدخان:27]


وترَفٍ ومُتعَةٍ كانوا غارِقينَ فيها، وتلَذُّذٍ وتنَعُّم.

﴿كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الدخان:28]


وكذلكَ نَنتَقِمُ ممَّنْ كذَّبَ وكفَر، وأورَثْنا أموالَهمْ وقُصورهمْ ومَزارِعَهمْ بَني إسْرائيل، بعدَما رجَعوا إلى مِصر.

﴿فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ السَّمَآءُ وَالۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:29]


فلمْ يُكتَرَثْ بهَلاكِ فِرعَونَ وجُندِه، فما عَمِلوا صالِحًا لتَبكيَ عَليهمُ السَّماء، وما ترَكوا أثرًا حسنًا لتَحزَنَ عَليهمُ الأرضُ وتُخَلِّدَ ذِكرَهم(137)، ولم يُمهَلوا إلى وَقتٍ آخرَ ليَتوبُوا وقدْ جاءَ وَقتُ هَلاكِهم.

(137) كانتِ العربُ تقولُ عند موتِ السيِّدِ منهم: بكتْ له السماءُ والأرض، أي: عمَّتْ مصيبته. وقالَ الحسن: في الكلامِ مضافٌ محذوف، أي: ما بكى عليهم أهلُ السماءِ والأرضِ من الملائكةِ والناس. (فتح القدير، باختصار). كان من كلامِ العربِ إذا هلكَ عظيمٌ أن يهوِّلوا أمرَ موته، بنحو: بَكتْ عليه السماء، وبكتهُ الريح، وتزلزلتْ الجبال... والكلامُ مسوقٌ مساقَ التحقيرِ لهم. (التحرير والتنوير، باختصار). مجازٌ مرسلٌ عن عدمِ الاكتراثِ بهلاكهم والاعتدادِ بوجودهم؛ لأن سببَ البكاءِ على شيءٍ هو المبالاةُ بوجوده، يعني أنه استعارةٌ تمثيليةٌ بعد الاستعارةِ المكنيةِ في السماءِ والأرض، بأن شبِّهتا بمن يصحُّ منه الاكتراث، على سبيلِ الكناية، وأُسنِدَ البكاءُ إليهما على سبيلِ التخييل. كانت العربُ إذا ماتَ فيهم من له خطرٌ وقدرٌ عظيمٌ يقولون: بكتْ عليه السماءُ والأرض، يعني أن المصيبةَ بموتهِ عمَّتِ الخلقَ فبكى له الكلّ، حتى الأرضُ والسماء. فإذا قالوا: ما بكتْ عليه السماءُ والأرض، يعنون به: ما ظهرَ بعدَهُ ما يَظهرُ بعد موتِ ذوي الأقدارِ والشرف، ففيه تهكمٌ بالكفار، وبحالهم المنافيةِ لحالِ من يَعظمُ فقدهُ فيُقالُ له بكتْ عليه السماءُ والأرض. (روح البيان، وحاشية شيخ زاده على تفسير البيضاوي).

﴿وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ مِنَ الۡعَذَابِ الۡمُهِينِ﴾ [الدخان:30]


ولقدْ أنقَذْنا بَني إسرائيلَ مَنَ الظُّلمِ والاستِعبادِ والامتِهان،

﴿مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ الۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الدخان:31]


الذي أصابَهمْ على يَدِ فِرعَونَ، فقدْ كانَ طاغيَةً جبَّارًا، مِنْ أهلِ الشرِّ والفَساد.

﴿وَلَقَدِ اخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى الۡعَٰلَمِينَ﴾ [الدخان:32]


ولقدْ أكرَمْنا مُؤمِني بَني إسْرائيلَ واصطفَيناهمْ في ذلكَ الوَقتِ على العالَمين، عِلمًا منَّا باستِحقاقِهمْ ذلك.

﴿وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ الۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ﴾ [الدخان:33]


وآتَيناهمْ مِنَ البَراهِينِ والمعجِزاتِ ما فيهِ اختِبارٌ ظاهِرٌ لهم، وفَضلٌ لمَنِ اهتدَى بها.