﴿وَأُزۡلِفَتِ الۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ﴾ [ق :31]
وأُدنيَتِ الجَنَّةُ مِنَ المؤمِنينَ المُتَّقين(140) ، في مَكانٍ غَيرِ بَعيدٍ، بمَرأىً منهم.
(140) {لِلْمُتَّقِينَ}: للذينَ اتَّقَوا ربَّهم فخافوا عقوبتَهُ بأداءِ فرائضهِ واجتنابِ معاصيه. (الطبري).
﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ﴾ [ق :32]
هذا النَّعيمُ المُقيمُ هوَ ما وعدَ اللهُ بهِ كُلَّ مؤمِنٍ مُطيع، تائبٍ إلى الله، مُحافِظٍ على أمرِه، أمينٍ على عَهدِه.
﴿مَّنۡ خَشِيَ الرَّحۡمَٰنَ بِالۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ﴾ [ق :33]
مَنْ خافَ اللهَ في سِرِّهِ وأطاعَهُ بالغَيبِ حيثُ لا يَراهُ أحَدٌ إلاّ هو، ولَقيَ اللهَ بقَلبٍ تائبٍ مُقبِلٍ على طاعَتِه.
﴿ادۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ الۡخُلُودِ﴾ [ق :34]
ادخُلوا الجنَّةَ بسَلامَةٍ مِنَ العَذاب، وتَسليمٍ مِنَ اللهِ تَعالَى ومَلائكتِه، ذلكَ هوَ يَومُ البَقاءِ الذي لا مَوتَ بَعدَه، ولا تَحوُّلَ فيهِ عنِ الجنَّةِ إلى غَيرِها.
﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ﴾ [ق :35]
لهمْ فيها ما يَسألونَ ويَختارونَ مِنْ أصنَافِ الأطعِمَةِ وأنواعِ الأشرِبَة، وعندَنا مَزيدٌ لأهلِ الجنَّة، وهوَ أنْ يَتجَلَّى لهمُ الربُّ عزَّ وجَلَّ، ويَنظُروا إلى وَجهِهِ الكريم، وهوَ أجَلُّ وأفضَلُ ما يُؤتَونَهُ فيها.
﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي الۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ﴾ [ق :36]
وقدْ أهلَكنا كثيرًا مِنَ الأقوَامِ الذينَ سبَقوا قَومَك، وكانوا أكثرَ منهمْ قوَّةً ومَنَعَة، وأشَدَّ بأسًا وفَتكًا، فسَاروا في الأرْضِ وطافُوا بها، لابتِغاءِ الرِّزقِ وغَيرِه، ولم يَجِدوا مفرًّا مِنَ المَوتِ الذي كانَ لهمْ بالمِرصَاد، أينَما كانوا.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى السَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ﴾ [ق :37]
وفي ذلكَ عِظَةٌ وتَذكِرَة، لمَنْ كانَ لهُ قَلبٌ يَفقَهُ به، أو أصغَى إلى ما يُتلَى عَليهِ مِنَ القُرآنِ وهوَ لا يَرَى أولَى منه، وهوَ حاضِرُ القَلب، ليسَ بغافِل.
﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ﴾ [ق :38]
ولقدْ خلَقنا السَّماواتِ السَّبعَ العَظيمَة، والأرْضَ الواسِعَة، وما بينَهما مِنَ المَخلوقات، في ستَّةِ أيَّام، وما أصابَنا مِنْ تعَبٍ وإعياء.
﴿فَاصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ الشَّمۡسِ وَقَبۡلَ الۡغُرُوبِ﴾ [ق :39]
فاصبِرْ على ما يؤذيكَ بهِ المشرِكونَ مِنَ التَّكذيبِ والإعراض - وكانَ هذا بمكَّة - وصَلِّ حَمدًا لله، صَلاةَ الصُّبح، وصَلاةَ العَصر. وخُصَّا بالذِّكرِ لزيادَةِ فَضلِهما.
روَى جَريرُ بنُ عبدِاللهِ قال: كُنَّا جُلوسًا ليلةً معَ النبيِّ صلى الله عليهِ وسلم، فنظرَ إلى القمَرِ ليلةَ أربعَ عَشْرَة، فقال: "إنَّكمْ سترَونَ ربَّكمْ كما ترَونَ هذا، لا تُضامُونَ في رُؤيَتِه، فإنِ استَطَعتُمْ أنْ لا تُغلَبوا عنْ صلاةٍ قَبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقَبلَ غُروبِها فافعَلوا". ثمَّ قَرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}. رواهُ الشَّيخانُ وغَيرُهما.
قالَ الخَطَّابيُّ: هذا يَدلُّ على أنَّ الرؤيَةَ قدْ يُرجَى نَيلُها بالمُحافظَةِ على هاتَينِ الصَّلاتَين. يَعني الفَجرَ والعَصر.
﴿وَمِنَ الَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ السُّجُودِ﴾ [ق :40]
وصَلِّ لهُ بَعضَ اللَّيل، وسَبِّحْهُ في أدبارِ الصَّلوات.
﴿وَاسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ الۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ﴾ [ق :41]
واستَمِعْ لِما أُخبِرُكَ بهِ مِنْ أهوالِ السَّاعَة، يَومَ يُنادي المَلَكُ بالقِيامَةِ والنُّشورِ مِنْ مَوضِعٍ قَريب،
﴿يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ الصَّيۡحَةَ بِالۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ الۡخُرُوجِ﴾ [ق :42]
يَومَ يَسمَعونَ النَّفخَةَ الثَّانيةَ مِنَ الصُّور، وهيَ نَفخَةُ البَعثِ بالحقّ، الذي كانَ يُنكِرهُ الكافِرون، ذلكَ هوَ يَومُ خُروجِ المَوتَى مِنَ القُبور.
﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا الۡمَصِيرُ﴾ [ق :43]
إنَّا نحنُ نُحييكمْ في الدُّنيا، ونُميتُكمْ فيها، وإلينا تُخرَجونَ في الآخِرَةِ للحِسابِ والجَزاء.
﴿يَوۡمَ تَشَقَّقُ الۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ﴾ [ق :44]
في ذلكَ اليَومِ تَنشَقُّ الأرْضُ عنِ الأموَاتِ فيَخرُجونَ منها سِراعًا إلى مَوقفِ الحِساب، وبَعثُ النَّاسِ وجَمعُهمْ في أرْضِ المَحشَرِ أمرٌ سَهلٌ هَيِّنٌ عَلينا.
﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِالۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق :45]
نحنُ أعلَمُ بما يَقولُ المشرِكونَ في حَقِّكَ مِنَ التَّكذيب، ومِنَ الإعراضِ عنِ القُرآن، والكُفرِ بالبَعثِ والنُّشور، ولم تُبعَثْ لتُجبِرَهمْ على الإسْلام، إنَّما أنتَ مُبَلِّغٌ مُذَكِّر، فبَلِّغْهمْ رسالةَ رَبِّك، وعِظْ بالقُرآنِ مَنْ يَخافُ اللهَ ووَعيدَه، فإنَّهُ لا يَنتَفِعُ بهِ غَيرُهم، واللهُ يَهدي مَنْ يَشاء. وكانَ ذلكَ في مكَّة، قَبلَ أنْ يؤمَروا بالقِتال.
قالتْ أمُّ هِشامٍ بنتُ حارِثَةَ بنِ النُّعمان: "ما أخَذتُ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} إلاَّ عنْ لِسانِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقرَؤها كُلَّ يَومِ جُمُعَةٍ على المِنبَرِ إذا خطبَ النَّاس". رواهُ مُسلمٌ وغَيرُه.
قالَ العُلماء: سبَبُ اختيارِ (ق) أنَّها مُشتَمِلَةٌ على البَعثِ والمَوتِ والمَواعِظِ الشَّديدَةِ والزَّواجرِ الأكيدَة. أفادَهُ النَّوَويُّ في شَرحِهِ على صَحيحِ مُسلم.
سورة الذاريات - مكية - عدد الآيات: 60
51
﴿وَالذَّـٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا﴾ [الذاريات :1]
أقسِمُ بالرِّياحِ التي تَذرو التُّراب، وتَحمِلُ السُّحُب، وحُبوبَ اللِّقاح، وغَيرَها، فتُفَرِّقُها بأمرِ اللهِ وعِلمِه(141) .
وللهِ أنْ يُقسِمَ بما شَاءَ مِنْ مَخلوقاتِه، لتَوجيهِ النَّظَرِ إليها، وتدَبُّرِ ما فيها مِنْ حِكمَةٍ وإبداع.
(141) يقال: ذرتِ الريحُ الشيءَ ذَروًا وأذرته: أطارتهُ وأذهبته... والمراد: الرياحُ التي تذرو الترابَ وغيره. (روح البيان).
﴿فَالۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا﴾ [الذاريات :2]
فالسُّحُبِ التي تَحمِلُ المطَر، ويَسوقُها اللهُ إلى حَيثُ يَشاء.
﴿فَالۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا﴾ [الذاريات :3]
فالسُّفُنِ التي تَجري على الماءِ مَيَسَّرَةً بقُدرَتِه.
﴿فَالۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا﴾ [الذاريات :4]
فالمَلائكةِ الذينَ يَنزِلونَ بأوَامرِ اللهِ ويُوَزِّعونَها بينَ الخَلقِ كما أُمِروا به.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ﴾ [الذاريات :5]
إنَّ الذي تُوعَدونَ بهِ مِنَ البَعثِ والثَّوابِ والعِقابِ هوَ خبَرُ صِدق.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَٰقِعٞ﴾ [الذاريات :6]
وإنَّ الحِسابَ والجَزاءَ لكائنٌ لا مَحالَة، فتُجازَونَ بالإحسَانِ إحسَانًا، وبالسُّوءِ عُقوبَةً وخُسرانًا.
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الۡحُبُكِ﴾ [الذاريات :7]
أقسِمُ بالسَّماءِ المُحكمَةِ البُنيان، ذاتِ الجَمالِ والبَهاء، والحُسنِ والاستِواء.
﴿إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ﴾ [الذاريات :8]
إنَّكمْ لَفي قَولٍ مُضطَرِبٍ في أمرِ القُرآنِ والنبوَّة، فتَقولونَ في القُرآنِ سِحر، وأساطيرُ الأوَّلين، وفي الرَّسُولِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: ساحِر، وشاعِر، ومَجنون...
﴿يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ﴾ [الذاريات :9]
إنَّما يُصرَفُ عنِ الإيمانِ والقُرآنِ كُلُّ ضالٍّ مُكذِّبٍ به.
﴿قُتِلَ الۡخَرَّـٰصُونَ﴾ [الذاريات :10]
لُعِنَ الكذَّابونَ مِنْ هؤلاءِ الضَّالِّينَ المُختَلِفين،
﴿الَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ﴾ [الذاريات :11]
الذينَ همْ في جَهلٍ وغَفلَةٍ عَظيمَة، لاهونَ، غَيرُ مُكتَرثينَ بأمرِ الآخِرَة.
﴿يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات :12]
يَقولونَ تَكذيبًا واستِهزاءً واستِعجالاً له: متَى يَكونُ يَومُ الجَزاء؟
﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى النَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ [الذاريات :13]
إنَّ هذا الجَزاءَ يَكونُ يَومَ يُعذَّبونَ ويُحرَقونَ في النَّار.
﴿ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ [الذاريات :14]
ذوقُوا عَذابَكمُ المُهيَّأَ لكم، الذي كنتُمْ تُكذِّبونَ بهِ في الدُّنيا، وتَستَعجِلونَهُ هُزءًا وسُخريَة.
﴿إِنَّ الۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٖ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات :15]
إنَّ عِبادَ اللهِ المؤمِنينَ، الذينَ يَتجنَّبونَ مُخالفةَ أمرِ الله، في جَنَّاتٍ عاليات، وأنهارٍ جاريَات.