﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ﴾ [القيامة:23]
تَنظرُ إلى رَبِّها عِيانًا.
﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ﴾ [القيامة:24]
ووجُوهٌ كثيرَةٌ يَومَئذٍ عابِسَةٌ كالِحة، مُغْبرَّةٌ مُسْوَدَّة، هيَ وجوهُ الكافِرين،
﴿تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ﴾ [القيامة:25]
تَعلَمُ أنَّهُ سيُفعَلُ بها دَاهِيةٌ عَظيمَةٌ مِنَ العَذاب، تَكسِرُ فَقارَ الظَّهر.
﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:26]
كلاَّ لمَنْ آثرَ العاجِلَةَ على الآخِرَة. فإذا بلغَتِ الرُّوحُ التَّرقُوَة - وهيَ العَظْمَةُ القَريبَةُ مِنَ الحُلقومِ - وحَشْرَجَ بها عندَ الموت،
﴿وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ﴾ [القيامة:27]
وقالَ مَنْ حَولَه: مَنْ يَرقيهِ ويُداويه؟
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الۡفِرَاقُ﴾ [القيامة:28]
وأيقَنَ المُحتَضَرُ أنَّهُ الفِراقُ مِنَ الدُّنيا،
﴿وَالۡتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:29]
وتَتابعَتْ عليهِ شِدَّةُ الموتُ معَ شِدَّةِ كَرْبِ الآخِرَة. أو التفَّتْ ساقُهُ بساقِهِ مِنَ الهلَعِ فلمْ تَحمِلاه،
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ الۡمَسَاقُ﴾ [القيامة:30]
إلى اللهِ يَومَئذٍ مَرجِعُ العِباد، يُساقُونَ إليهِ ليَفصِلَ بينَهم.
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ [القيامة:31]
فلا صدَّقَ بما جاءَ بهِ الرسُولُ بهِ مِنْ ربِّه، ولا أدَّى الصَّلاةَ المفروضَةَ عليه،
﴿وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [القيامة:32]
بلْ جَحدَ وكفَر، وتَولَّى عنِ الطَّاعَةِ وخالَف،
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ﴾ [القيامة:33]
ثمَّ رجعَ إلى أهلِهِ يَختالُ ويَتبَختَرُ في مَشيه.
﴿أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ﴾ [القيامة:34]
أهلكَكَ اللهُ هَلاكًا أقربَ لكَ مِنْ كُلِّ هَلاكٍ وشَرّ.
﴿ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ﴾ [القيامة:35]
ثمَّ هَلاكًا أقربَ لكَ مِنْ كُلِّ شَرّ.
﴿أَيَحۡسَبُ الۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:36]
أيَظنُّ الإنسَانُ أنَّهُ يُترَكُ مُهمَلاً، فلا يُكلَّفُ بأمرٍ ولا نَهي، ولا يُبعَثُ ولا يُحاسَبُ على عمَلِه؟!
﴿أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ﴾ [القيامة:37]
أمَا كانَ نُطفَةً مِنْ ماءٍ ضَعيف، يُراقُ مِنَ الأصَلابِ في الأرحَام؟
﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ [القيامة:38]
ثمَّ كانَ علقَةً تَعْلَقُ بالرَّحِم، ثمَّ جعَلَهُ خَلقًا سَويًّا كامِلَ الأعضَاء؟
﴿فَجَعَلَ مِنۡهُ الزَّوۡجَيۡنِ الذَّكَرَ وَالۡأُنثَىٰٓ﴾ [القيامة:39]
ثمَّ جعلَ مِنَ الإنسَانِ الصِّنفَين: الذَّكرَ والأُنثَى؟
﴿أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ الۡمَوۡتَىٰ﴾ [القيامة:40]
أليسَ هذا الذي أنشَأ الخَلقَ وسَوَّاهُ قادِرًا على أنْ يُعيدَهُ بعدَ مَوتِه؟ بلَى.
سورة الإنسان - مدنية - عدد الآيات: 31
76
﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى الۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ الدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا﴾ [الانسان:1]
قدْ جاءَ على الإنسَانِ زَمانٌ لم يَكنْ فيهِ شَيئًا يُذكَر، فكانَ مَعدُومًا.
﴿إِنَّا خَلَقۡنَا الۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا﴾ [الانسان:2]
ولم يوجَدِ الإنسَانُ بنَفسِه، بلْ نحنُ خلَقناهُ مِنْ ماءٍ خَليط، هوَ مَجموعُ ماءِ الرَّجُلِ والمَرأة، لنَختَبِرَهُ بالتَّكاليف، والأوَامرِ والنَّواهي، وجعَلنا لهُ السَّمعَ والبصَر، ليَسمَعَ ويَعرِفَ ويَتدبَّر.
﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الانسان:3]
إنَّا بيَّنَّا لهُ طَريقَ الحقِّ والباطِل، وعرَّفناهُ طَريقَ الخَيرِ والشرّ، فمنهمْ شاكِرٌ مُهتَدٍ للحقِّ مُسلِم، ومنهمْ جاحِدٌ مُعرِضٌ عنِ الطَّاعَةِ قدْ ضلَّ عنِ الهُدَى.
﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا﴾ [الانسان:4]
إنَّا هيَّأنا للكافِرينَ المُجرِمينَ سَلاسِلَ يُسحَبونَ بها، وأطواقًا يُقادُونَ بها، ونارًا مُلتَهبَةً يُحرَقونَ فيها.
﴿إِنَّ الۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الانسان:5]
أمَّا المؤمِنونَ المُطيعونَ لربِّهمْ فهمْ مُكرَمونَ في الجنَّة، يَشرَبونَ مِنْ كأسٍ شَرابًا لَذيذًا مَمزوجًا بكافُور، يُبَرِّدُهُ ويُطَيِّبُ رائحتَه.
﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا﴾ [الانسان:6]
وهذا الكافورُ عَينٌ جاريَةٌ يَشرَبُ منها صِرْفًا دونَ مَزجٍ عِبادُ اللهِ المُقرَّبون، ويُجرُونَها حيثُ شاؤوا مِنْ قُصورِهمْ ومَجالسِهم.
﴿يُوفُونَ بِالنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾ [الانسان:7]
إنَّهمْ مُستَجيبونَ لأمرِ ربِّهم، وإذا نذَروا طاعَةً كانوا أوفيَاء، ففَعلُوا ما أوجَبوهُ على أنفُسِهم، ويَخشَونَ عَذابَ اللهِ يَومَ القِيامَة، ذلكَ اليَومُ الذي يَكونُ شَرُّهُ مُنتَشِرًا مُمتَدًّا، وأهواُلهُ بالغَةَ الشِّدَّةِ والخُطورَة.
﴿وَيُطۡعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ [الانسان:8]
ويُطعِمونَ الطَّعامَ معَ اشتِهائهمْ لهُ وحاجَتِهمْ إليه، للمِسكينِ الذي لا يَجِدُ شَيئًا، وللصَّغيرِ الذي فقدَ والِدَه، وللأسيرِ، أيًّا كان.
﴿إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا﴾ [الانسان:9]
يُطعِمونَهمْ وهمْ يَقولونَ بلسانِ الحَال: إنَّما نُطعِمُكمْ طَلبًا لرِضا اللهِ ورَجاءَ ثَوابِه، لا نُريدُ منكمْ أنْ تُكافِؤونَا به، ولا أنْ تُثنُوا عَلينا جَزاءً عليه.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا﴾ [الانسان:10]
إنَّما نَفعَلُ ذلكَ خَوفًا مِنَ الله؛ رَجاءَ أنْ يَرحمَنا بذلكَ مِنْ عَذابِ يَومٍ ضيِّق، شَديدٍ طَويل.
﴿فَوَقَىٰهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا﴾ [الانسان:11]
فآمنَهمُ اللهُ ممَّا خافُوا منه، وأبعدَ عنهمْ شَرَّ ذلكَ اليَومِ العَصيب، وأعطاهمْ بدلَ ذلكَ الضِّيقِ والشدَّةِ نَضْرَةً في الوجُوه، وسُرورًا وبَهجةً في القُلوب.
﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا﴾ [الانسان:12]
وأثابَهمْ على صَبرِهمْ وطاعَتِهمْ جنَّةً واسِعَة، ولِباسًا حَسنًا مِنْ حَريرٍ جَميل.