تفسير الجزء 30 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الثلاثون
30
من سورة النبأ حتى سورة الناس

﴿تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ﴾ [الغاشية:5]


تُسقَى مِنْ عَينٍ حارَّةٍ بجهنَّم، شَديدَةِ الغلَيان.

﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ﴾ [الغاشية:6]


ليسَ لهمْ فيها طَعامٌ إلاّ مِنْ شجَرٍ يُقالُ لهُ ضَرِيع، في غايَةِ النَّتْنِ والمَرارَة.

﴿لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ﴾ [الغاشية:7]


هذا الطَّعامُ الخَبيثُ لا يُسمِنُ بدَنًا مِنْ هُزال، ولا يَسُدُّ جُوعَ صاحبِه، بلْ يَزيدُهُ ألَمًا وعَذابًا.

﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ﴾ [الغاشية:8]


ووجُوهٌ أخرَى يَومَ القِيامَةِ تَكونُ مُبتَهِجَةً بَهيَّة، مُشرِقَةً ناضِرَة.

﴿لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ﴾ [الغاشية:9]


لعمَلِها الذي عَمِلَتْهُ في الدُّنيَا رَاضيَةٌ مُطمَئنَّة،

﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ﴾ [الغاشية:10]


في جنَّةٍ رَفيعَةٍ عاليةِ الدَّرَجات،

﴿لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ﴾ [الغاشية:11]


لا تَسمَعُ فيها كلامًا باطِلاً، وخُصومَةً وصَخَبًا.

﴿فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ﴾ [الغاشية:12]


فيها عَينٌ سارِحَة، لا يَنقَطِعُ مَاؤها.

﴿فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ﴾ [الغاشية:13]


فيها أسِرَّةٌ عاليَةٌ، ناعِمَةٌ مُزيَّنة.

﴿وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ﴾ [الغاشية:14]


وأواني الشَّرابِ لهمْ مُهيَّأة، قَريبَةُ التَّناول.

﴿وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ﴾ [الغاشية:15]


ووسَائدُ مَصفوفَةٌ بَعضُها إلى جَنبِ بَعض.

﴿وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:16]


وبُسُطٌ مُفرَّقَةٌ مَفروشَةٌ في المَجالسِ هُنا وهُناك، للرَّاحَةِ والزِّينَة.

﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ﴾ [الغاشية:17]


ألَا يَنظرُ هؤلاءِ المكذِّبونَ بالبَعث، إلى هذهِ الإبِلِ العَظيمَةِ كيفَ خلَقها الله؟ فهيَ قَويَّةٌ شَديدَة، يتَناسَبُ تَركيبُها العَجيبُ معَ بيئتِها ووَظيفَتِها، وتُحمَلُ عليها الأحمَالُ الثَّقيلَة، وتَصبِرُ على الجوعِ والعطَشِ والسَّيرِ أيَّامًا، ويُؤكَلُ لَحمُها، ويُشرَبُ مِنْ لبَنِها، ويُنتَفَعُ بوبَرِها...

﴿وَإِلَى السَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ﴾ [الغاشية:18]


وإلى السَّماءِ العاليَةِ المُحكمَةِ كيفَ رَفعَها اللهُ بدُونِ عمَد، وهمْ يُشاهِدونَها ليلاً ونَهارًا؟ فمَنِ الذي رفعَها هكذا، ومَنِ الذي بثَّ فيها الكوَاكبَ والنُّجومَ الكثيرَةَ وزيَّنَها للنَّاظِرين، ووضعَ لها نَواميسَ دَقيقَةً ثابتَة...؟

﴿وَإِلَى الۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ﴾ [الغاشية:19]


وإلى الجِبالِ كيفَ أُرسِيَتْ وأُثبِتَتْ في الأرْضِ لئلاّ تَضطَرِبَ بأهلِها، وفيها مِنَ المَعادِنِ والمَنافِعِ الكثيرَةِ التي لا يُستَغنَى عنها؟

﴿وَإِلَى الۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ﴾ [الغاشية:20]


وإلى الأرْضِ كيفَ بُسِطَتْ وسُوِّيَتْ ومُهِّدَت، ليُمكِنَ العَيشُ عَليها والتَّنَقُّلُ فيها، والاستِفادَةُ منها، وفيها مِنَ الحيَوانِ والنَّباتِ والجَمادِ ما فيها، أفلا يَنظُرونَ إليها ويَتدَبَّرونَ ما فيها وهمْ يَسيرونَ عَليها؟

﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾ [الغاشية:21]


فذَكِّرِ النَّاسَ وعِظْهمْ بالكونِ وما فيهِ مِنْ آيات، وبما أرسلَكَ اللهُ بهِ مِنَ الحقّ، ولا تُلِحَّ عَليهمْ أيُّها الرسُول، فإنَّ وظيفتَكَ الدَّعوةُ والبَلاغ.

﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية:22]


لستَ عَليهمْ بمُسَلَّطٍ فتُكرِهَهمْ على الإيَمان،

﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:23]


لكنْ مَنْ أعرضَ عنِ الإيمَان، وكفرَ بالحقِّ بعدَ التَّذكير،

﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الۡعَذَابَ الۡأَكۡبَرَ﴾ [الغاشية:24]


فإنَّ اللهَ يُدخِلُهُ النَّارَ يَومَ القِيامَة، ويُعَذِّبُهُ عَذابًا كبيرًا دائمًا، أعظمَ وأشدَّ وأبقَى ممَّا هوَ في الدُّنيَا.

﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ﴾ [الغاشية:25]


إنَّ إلينَا وحدَنا رُجوعَهمْ بعدَ المَوت.

﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية:26]


ثمَّ إنَّ عَلينا مُحاسبتَهمْ على أعمالِهم، وجَزاءَهمُ الذي يَستَحِقُّونَهُ عَليها.
عنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ قال: كانَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقرَأُ في العيدَينِ وفي الجُمُعَةِ بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}. قال: وإذا اجتمَعَ العيدُ والجمُعَةُ في يَومٍ واحِدٍ يَقرَأُ بهما أيضًا في الصَّلاتَين. رَواهُ مُسلمٌ وغَيرُه.

سورة الفجر - مكية - عدد الآيات: 30

89

﴿وَالۡفَجۡرِ﴾ [الفجر:1]


أُقسِمُ بالفَجر.

﴿وَلَيَالٍ عَشۡرٖ﴾ [الفجر:2]


واللَّيالي العَشرِ الأُوَلِ مِنْ شَهرِ ذي الحِجَّة.

في صَحيحِ ابنِ حِبَّانَ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أيَّامٍ العمَلُ الصَّالحُ فيها أحَبُّ إلى اللهِ مِنْ هذهِ الأيَّامِ العَشرِ...". وهوَ في صَحيحِ البخاريِّ وغيرِهِ بألفاظٍ قَريبة.

وذكرَ بَعضُهمْ أنَّ المقصُودَ العَشرُ الأواخِرُ مِنْ شَهرِ رَمَضان.

﴿وَالشَّفۡعِ وَالۡوَتۡرِ﴾ [الفجر:3]


والشَّفْعِ، الذي ذُكِرَ أنَّهُ يَومُ عيدِ الأضحَى، لكونِهِ العاشِرَ، والوَتر: يَومُ عَرَفَة، لأنَّهُ التَّاسِع. وذُكِرَتْ أقوالٌ أُخرَى.

﴿وَالَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ﴾ [الفجر:4]


واللَّيلِ إذا سارَ ومضَى.

﴿هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ﴾ [الفجر:5]


هلْ فيما ذُكِرَ مِنَ القسَمِ اكتِفاءٌ لذي عَقلٍ ولُبّ، وإقناعٌ لمَنْ لهُ إدراكٌ وفِكر؟ نعم.

قالَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ الله: هذا القسَمُ هوَ بأوقَاتِ العِبادَة، وبنَفسِ العِبادَة، مِنْ حَجٍّ وصَلاة، وغَيرِ ذلكَ مِنْ أنوَاعِ القُرَبِ التي يَتقَرَّبُ بها المُتَّقونَ المُطيعونَ لله، الخائفونَ منه، المُتواضِعونَ لدَيه، الخاشِعونَ لوَجهِهِ الكَريم.

﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر:6]


ألمْ تَعلَمْ كيفَ فعلَ رَبُّكَ بقَبيلَةِ عَاد؟ وكانوا عُتاةً جبَّارينَ مُتمَرِّدين، مُكذِّبينَ للرسُل.

﴿إِرَمَ ذَاتِ الۡعِمَادِ﴾ [الفجر:7]


وهمْ عادٌ الأُوَل، وقدْ يُنسَبونَ إلى جَدِّهمْ إِرَم، أو أنَّهُ تَسميَةٌ للقَبيلَة، أو للمَدينة... صاحِبَةِ العِماد، لأنَّهمْ كانوا يَسكنونَ الخيام، التي تُرفَعُ بالأعمِدَةِ الشِّداد، وكانوا أشِدَّاءَ أيضًا. أو أنَّ العُمُدَ وَصفٌ للمَدينةِ إِرَم، أو لبِناءٍ بنَوه.

﴿الَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي الۡبِلَٰدِ﴾ [الفجر:8]


التي لم يُخلَقْ مثلُها في عِظَمِ جِسْمِ أفرادِها وقوَّتِهم، إذا كانَ المقصودُ قَبيلةَ عاد. أو أنَّها البِنايَة، أو المدِينة، ذاتُ البِناءِ العالي الرَّفيع، أو ذاتُ الأساطِين، التي لم يُخلَقْ مثلُها سَعَةً وحُسْنَ بُيوتٍ وبَساتينَ في بِلادِ الدُّنيَا.

وذُكِرَ في عَصرِنا أنَّها اكتُشِفَتْ تحتَ كُثبانِ الأحقَافِ في مِنطقَةِ ظَفَارِ بعُمَان.