﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخۡرَ بِالۡوَادِ﴾ [الفجر :9]
وانظُرْ كيفَ فعلَ رَبُّكَ بقَبيلَةِ ثَمودَ قَومِ النبيِّ صالحٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام، وكانوا مُشرِكينَ مُعانِدينَ أقويَاء، يَقطَعونَ الصُّخورَ بالجِبالِ في وادي القُرَى، يَنحِتونَها ويَثقُبونَها ويُزَخرِفونَها، ويَجعَلونَها بُيوتًا. وما زالَتْ آثارُهمْ مَوجودَةً في "مَدائنِ صالحٍ" ببلادِ الحرَمَين.
﴿وَفِرۡعَوۡنَ ذِي الۡأَوۡتَادِ﴾ [الفجر :10]
وفِرعَونَ صَاحبِ الجُنودِ الذينَ كانوا يُقوُّونَ حُكمَه.
﴿الَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي الۡبِلَٰدِ﴾ [الفجر :11]
الذينَ ظلَموا وتجبَّروا في الأرْضِ بالكُفرِ والمعاصي.
﴿فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا الۡفَسَادَ﴾ [الفجر :12]
وعاثُوا فيها ظُلمًا وأذًى وفَسادًا.
﴿فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر :13]
فأنزلَ اللهُ بهؤلاءِ المشرِكينَ المُفسِدينَ العُقوبَةَ وأنوَاعَ العَذاب.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر :14]
إنَّ اللهَ يُراقِبُ أعمَالَ العِباد، يَسمَعُ ما يَقولون، ويرَى ما يَفعَلون، ويَعلمُ ما يُضمِرون، وسيُجازي كُلاًّ بما يَستَحِقّ.
﴿فَأَمَّا الۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ابۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ﴾ [الفجر :15]
فإذا اختبَرَ اللهُ الإنسَانَ بالغِنَى والعافية، فأكرَمَهُ بالمَال، ونَعَّمَهُ بما وسَّعَ عليهِ مِنْ زينَةِ الدُّنيَا، وجعلَ لهُ وَجاهَةً أو مَنصِبًا، اعتقَدَ أنَّ ذلكَ إكرامٌ مِنَ اللهِ له. وليسَ كذلك، بلْ هوَ ابتِلاءٌ وامتِحانٌ منه، ليَنظُرَ هلْ يَشكرُ أمْ يَكفُر، وهلْ يَعدِلُ أمْ يَظلِم، وهلْ يُطيعُ اللهَ أمْ يَعصيه؟
﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ﴾ [الفجر :16]
وأمَّا إذا ضيَّقَ اللهُ عليه، فابتَلاهُ بالفَقر، اعتبَرَ ذلكَ عُقوبَةً لهُ ومَهانَة، وأنَّ اللهَ لو لم يُرِدْ إهانتَهُ لَما ضيَّقَ عليهِ في رِزقِه! وإنَّما أرادَ امتِحانَه، ليَنظُرَ هلْ يَكونُ مؤمِنًا صابِرًا رَاضيًا بقَضاءِ الله، أمْ مُتضَجِّرًا جَزوعًا يائسًا، ضَعيفَ الإيمَانِ ساخِطًا؟
﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ الۡيَتِيمَ﴾ [الفجر :17]
كلاَّ لِما زعَمتُمْ مِنْ أمرِ الابتِلاء، فليسَ بَسطُ الرِّزقِ دَليلاً على الكرَامَة، وليسَ تَضييقُهُ دَليلاً على الإهانَةِ والإهمَال، بلْ لكمْ أفعالٌ أكثَرُ شَرًّا ممَّا ذُكِر، فإنَّ اللهُ يُكرِمُكمْ بكثرَةِ المَال، ولكنَّكمْ لا تَقومُونَ بحقِ العَطاء، ولا تُكرِمونَ اليَتيمَ بالإحسَانِ إليه.
﴿وَلَا تَحَـٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الۡمِسۡكِينِ﴾ [الفجر :18]
ولا يَحُثُّ بَعضُكمْ بَعضًا على إطعَامِ المسكِين، الذي لا يَجِدُ ما يأكُل.
﴿وَتَأۡكُلُونَ التُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ [الفجر :19]
وتأكلونَ الميرَاثَ بشَراهَةٍ وجشَع، وتَخلِطونَ بينَ الحَلالِ والحرَام، وتَجمَعونَ فيهِ بينَ نَصيبِكمْ ونَصيبِ غَيرِكم.
﴿وَتُحِبُّونَ الۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾ [الفجر :20]
وتُحِبُّونَ جَمعَ المَالِ حُبًّا كثِيرًا طَاغيًا، لا يُبقي في نُفوسِكمْ مَكرُمَةً للإحسَانِ إلى اليَتامَى والمسَاكين.
﴿كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ الۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا﴾ [الفجر :21]
كلاَّ، لا يَنبَغي أنْ يَكونَ الأمرُ كما أنتمْ عليهِ مِنَ الانحِرافِ والغَفلَة، والحِرصِ على الدُّنيَا وتَركِ الأعمَالِ الصَّالحة، وإنَّ أمامَكمْ أهوَالاً عليكمْ أنْ تَحسُبوا حِسابَها، فإذا دُقَّتِ الأرْضُ وضُرِبَتْ مرَّةً بعدَ مرَّة، حتَّى انهدَمَ كُلُّ ما عَلى ظَهرِها مِنْ جِبالٍ وأبنيَة وسُوِّيَت.
﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا﴾ [الفجر :22]
وجاءَ رَبُّكَ للفَصلِ بينَ خَلقِه، وجاءَتِ المَلائكةُ صُفوفًا مُتَتابعَة.
﴿وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ الۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكۡرَىٰ﴾ [الفجر :23]
وأُتيَ يَومَئذٍ بجَهنَّم، "لها سَبعونَ ألفَ زِمام، معَ كُلِّ زِمامٍ سَبعونَ ألفَ مَلَكٍ يَجرُّونَها"، كما في صَحيحِ مُسلم. في ذلكَ اليَومِ يتَّعِظُ الإنسَانُ ويَتذَكَّرُ ما عَمِلَ مِنْ خَيرٍ وشَرٍّ في الحيَاةِ الدُّنيا. وكيفَ يَنفَعُهُ اتِّعاظُهُ وقدْ فاتَ زَمانُه؟
﴿يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر :24]
يَقولُ نادِمًا على ما سلَفَ منهُ مِنَ المعاصِي، مُتَحسِّرًا على ما فرَّط في جَنبِ الله: يا ليتَني قدَّمتُ أعمَالاً صَالحةً لأنتَفِعَ بها في حيَاتيَ الآخِرَة.
﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ﴾ [الفجر :25]
فيَومَئذٍ ليسَ أحَدٌ أشدَّ عَذابًا مِنْ تَعذيبِ اللهِ لهذا الكافِرِ المجرِم.
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ﴾ [الفجر :26]
وليسَ أحَدٌ أشدَّ قَبْضًا ووَثْقًا بالسَّلاسِلِ مِنَ اللهِ لمَنْ كفرَ وطغَى.
﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا النَّفۡسُ الۡمُطۡمَئِنَّةُ﴾ [الفجر :27]
أيَّتُها النَّفسُ المؤمِنةُ بما قالَ الله، المُصَدِّقَةُ بما وعدَ به، السَّاكنَةُ إلى حُبِّه، المُطمَئنَّةُ إلى ذِكْرِه،
﴿ارۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ﴾ [الفجر :28]
ارجِعي إلى ما أعدَّهُ اللهُ لكِ مِنَ الثَّوابِ الجَزيلِ في جنَّتِه، راضيَةً بما أعطاكِ مِنَ النَّعيم، مَرضيَّةً عندَ اللهِ بما قدَّمتِ مِنْ طاعَةٍ وعمَلٍ صالح.
﴿فَادۡخُلِي فِي عِبَٰدِي﴾ [الفجر :29]
فادخُلي في زُمرَةِ عباديَ المؤمِنينَ الصَّالحين،
﴿وَادۡخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر :30]
وادخُلي جنَّتي في كنَفي ورَحمَتي.
سورة البلد - مكية - عدد الآيات: 20
90
﴿لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا الۡبَلَدِ﴾ [البلد :1]
أُقسِمُ بالبلَدِ الحَرام، مكَّةَ المُكرَّمَة، الذي شرَّفَهُ اللهُ بالبَيتِ العَتيق، وحرَّمَهُ يَومَ خلقَ السَّماواتِ والأرْض، وتَبقَى حُرمَتُهُ إلى يَومِ القِيامَة.
﴿وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا الۡبَلَدِ﴾ [البلد :2]
ويَزيدُ البلدَ كرامَةً وحُرمَةً أنَّكَ مُقيمٌ بهِ أيُّها النبيّ. (السُّورةُ مكيَّة).
﴿وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد :3]
والوالِدِ الأوَّلِ آدَم، وما وَلَد، مِنْ جَميعِ وَلَدِه.
﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا الۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد :4]
لقدْ خلَقنا الإنسَانَ في تعَبٍ ومَشقَّةٍ ومُكابدَة. (160) ففي أطوَارِ خَلقِهِ شِدَّةٌ ومَشقَّة، في بَطنِ الأُمّ، ثمَّ في زمَنِ الإرضَاع، فالتَّربيَةِ والتَّعليم، وتَحصِيلِ المَعاش، وما بينَ ذلكَ مِنْ مُعاناةِ المِحَنِ والشَّدائدِ والتَّكاليفِ والصَّبرِ عليها، فمعَاناةِ الموتِ وكربِه، وما بَعدَهُ مِنَ الحشرِ والحِسابِ والجزَاء.
(160) {فِي كَبَدٍ}: حالٌ من الإنسان، بمعنى: مكابِدًا. وحرفُ (في) و (اللام) متقاربان، تقول: إنما أنتَ للعناءِ والنصَب، وإنما أنت في العناءِ والنصَب. ووجهٌ آخرُ أقوله: {فِي كَبَدٍ} يدلُّ على أن الكبَدَ قد أحاطَ به إحاطةَ الظرفِ بالمظروف... (روح البيان).
﴿أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ﴾ [البلد :5]
أيَظنُّ هذا المَغرورُ أنْ لنْ يَقدِرَ اللهُ على الانتِقامِ منه، وهوَ الذي أعطاهُ الحيَاة، ومَنحَهُ القوَّة، فصَارَ يَظلِمُ ويَبطِش، ويَنهَبُ ويَفجُر... ولا يَحسَبُ أنَّهُ مأخوذٌ بعمَلِه؟
﴿يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا﴾ [البلد :6]
يَقولُ ابنُ آدَم: أنفَقتُ مالاً كثيرًا. يَتبَاهَى بذلكَ ويَتعَاظَم.
﴿أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ [البلد :7]
أيَظنُّ أنَّ اللهَ لم يرَه، ولم يَعرِفْ نيَّتَهُ في الإنفَاق، ولا يَسألُهُ يَومَ القِيامَةِ مِنْ أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَه؟
﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ﴾ [البلد :8]
ألمْ نَجعَلْ لهُ عَينَينِ يُبصِرُ بهما الأشيَاء؟