تفسير الجزء 30 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الثلاثون
30
من سورة النبأ حتى سورة الناس

﴿لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [المطففين:5]


ليَومٍ عَظيمِ الهَول، صَعبِ المَوقِف، كثيرِ الفزَع،

﴿يَوۡمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الۡعَٰلَمِينَ﴾ [المطففين:6]


يَومَ يَقومُ النَّاسُ مِنْ قُبورِهمْ لأمرِ اللهِ وحِسابِهِ وجَزائه.

﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ الۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ﴾ [المطففين:7]


كلاّ لتَطفيفِهمْ وغَفلَتِهمْ عنِ البَعثِ والحِساب، إنَّ سجِلَّ أعمالِ الكفَّارِ في "سِجِّين"، فليَرتَدِعوا. (واللّفظُ يوحي بالضِّيقِ والانحِطاط).

﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ﴾ [المطففين:8]


وأيَّ شَيءٍ تَدري عنْ سِجِّين؟

﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾ [المطففين:9]


إنَّهُ كتابٌ مَذكورٌ فيهِ أعمالُهمُ الخبيثَة، لهُ خَتمٌ أو علامَةٌ مَميِّزَة.

﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:10]


الويلُ والهَلاكُ يَومَ القِيامَةِ لهؤلاءِ المكذِّبين.

﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ الدِّينِ﴾ [المطففين:11]


الذينَ يُكذِّبونَ بيَومِ الجَزاءِ والحِسَاب، ولا يؤمِنونَ بالثَّوابِ والعِقاب.

﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين:12]


ولا يُكذِّبُ بهِ إلاّ كلُّ مُعتَدٍ على مَحارمِ الله، مُتَجاوزٍ للحقِّ إلى الباطِل، كثيرِ الإثْمِ في أقوالِهِ وأفعالِه، مُنهَمِكٍ في الشَّهوات، غارِقٍ في المُحرَّمات.

﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ الۡأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:13]


إذا تُتلَى عليهِ آياتُ كتابِنا النَّاطقَةُ بالحقّ، وبصِدقِ ما جاءَ بهِ الرسُل، كذَّبَ بها وأنكرَها، وقالَ إنَّها مِنْ أخبارِ الأُمَمِ الغابِرين، وحِكاياتِ الأوَّلينَ وأباطيلِهم.

﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [المطففين:14]


كلاّ، ليسَ الأمرُ كما زعَموا، بلْ حجبَ قُلوبَهمْ عنِ الإيمانِ كثرَةُ الذُّنوبِ والمعاصي التي اقترَفوها، فغَطَّتْ عَليها حتَّى أظلمَتْها وطَمسَتْها، وحجبَتِ النُّورَ عنها.

﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]


كلاّ لمَوقفِهمُ المُنكَرِ الذي ابتعَدوا بهِ عنِ الإيمَان، إنَّ هؤلاءِ المكذِّبينَ مَحجوبُونَ عنْ رؤيَةِ ربِّهمْ وخالقِهمْ يَومَ القِيامَة.

﴿ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ الۡجَحِيمِ﴾ [المطففين:16]


ثمَّ إنَّهمْ معَ هذا الحِرمانِ العَظيمِ داخِلونَ في نارِ الجَحيم، ومُقاسُونَ حرَّها وعَذابَها الشَّديد.

﴿ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين:17]


ثمَّ يُقالُ لهمْ تَوبيخًا وتَحقيرًا: هذا هوَ الجَحيمُ الذي كنتُمْ تُكذِّبونَ بهِ في الحيَاةِ الدُّنيا، فذوقُوا عَذابَه.

﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ الۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:18]


كلاّ لكتابِ الفُجَّار. إنَّ سجِلَّ أعمالِ عِبادِ اللهِ الأبرارِ المُطيعِينَ في عِلِّيِّين (الذي يوحي بالعُلوِّ والارتِفاع).

﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:19]


وأيَّ شَيءٍ تَدري عنْ "عِلِّيِّينَ" أيُّها الرسُول؟

﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ﴾ [المطففين:20]


إنَّهُ كتابٌ فيهِ ذكرُ أعمالِهمُ الحسنَةِ الطيِّبَة، لهُ خَتمٌ أو عَلامَةٌ مَميِّزَةٌ بذلك.

﴿يَشۡهَدُهُ الۡمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:21]


يَشهَدُهُ المَلائكةُ عليهمُ السَّلام، تَكريمًا لهم.

﴿إِنَّ الۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:22]


إنَّ الذينَ بَرُّوا وصَدَقوا في إيمَانِهم، وأدَّوا فَرائضَ اللهُ عَليهم، واجتنَبوا ما نَهاهُمْ عنه، في جَنَّةٍ عالية، ونَعيمٍ دَائم.

﴿عَلَى الۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:23]


على الأسِرَّةِ المزيَّنةِ يَنظُرونَ إلى ما أعدَّ اللهُ لهمْ مِنَ النَّعيم، وإلى ما شاؤوا مِنْ مَناظرِ الجنَّةِ الجَميلَة.

﴿تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:24]


إذا نَظرتَ إليهمْ عرَفتَ في وجوهِهمْ بَهجةً ونَضارَةً، وحُسنًا وإشراقًا، مِنَ النَّعيمِ العَظيمِ الذي همْ فيه.

﴿يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ﴾ [المطففين:25]


يُسقَونَ مِنْ خَمرِ الجنَّةِ الطيِّبَةِ الصَّافية، الخاليةِ مِنَ الشَّوائبِ والسُّكر، وهيَ مَختومة، لا يَفكُّها إلاّ أصحابُها مِنَ الأبرَار.

﴿خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ الۡمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين:26]


وآخِرُ طَعمِهِ مَمزوجٌ بالمِسك. وفي مِثلِ هذا فليَتسابَقِ المتَسابِقون، وليَرْغَبِ الرَّاغِبون، بالمُبادرَةِ إلى الطَّاعات، والمسارعَةِ إلى الخَيرات.

﴿وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ﴾ [المطففين:27]


وقدْ مُزِجَ بذلكَ الرَّحيقِ اللَّذيذِ شَرابٌ يُقالُ لهُ تَسنيم. ذُكِرَ أنَّه أشرَفُ شَرابِ الجنَّةِ وأعْلاه.

﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا الۡمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:28]


وهوَ عَينٌ جاريَة، يَشرَبُ منها المُقَرَّبونَ صِرفًا، ويُمزَجُ مَزجًا للأبرَار، الذينَ همْ أصحَابُ اليَمين.

﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ﴾ [المطففين:29]


إنَّ المشرِكينَ كانوا يَستَهزِؤونَ بالمؤمِنينَ ويَحتَقِرونَهمْ في الحيَاةِ الدُّنيا.

﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:30]


وإذا مرَّ المؤمِنونَ بهمْ وهمْ في مَجالسِهم، يُشيرونَ إليهمْ بأعيُنِهمْ استِهزاءً وسُخريَة.

﴿وَإِذَا انقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾ [المطففين:31]


وإذا رجعَ هؤلاءِ المجرِمونَ إلى بُيوتِهم، رجَعوا مُبتَهِجينَ بما فعَلوا، مُستَمتِعينَ باستِخفافِهمْ بالمؤمِنين!

﴿وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ﴾ [المطففين:32]


وإذا رَأوا أصحَابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالُوا: هؤلاءِ زائغونَ مُنحَرِفون، لكونِهمْ على غَيرِ ملَّةِ الكُفر!

﴿وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ﴾ [المطففين:33]


وما بُعِثَ هؤلاءِ المشرِكونَ رُقَباءَ ووكلاءَ على المؤمِنين، حتَّى يَحفَظوا عَليهمْ أعمالَهمْ وأحوالَهم، ويَشهَدوا برُشدِهمْ أو ضَلالِهم، فلمَ يَشغَلونَ أنفُسَهمْ بهم؟

﴿فَالۡيَوۡمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ﴾ [المطففين:34]


ففي يَومِ القِيامَةِ يَضحَكُ المؤمِنونَ وهمْ في الجنَّةِ يَنعَمون، مِنَ الكفَّارِ وهمْ في الجَحيمِ يُعَذَّبون، في مُقابِلِ ما كانَ يَسخَرُ منهمْ هؤلاءِ في الحيَاةِ الدُّنيا.

﴿عَلَى الۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:35]


وهمْ جالِسونَ على الأسِرَّةِ المزيَّنة، يَنظُرونَ إلى الكفَّارِ وهمْ في حَالِ ذُلٍّ وهَوانٍ وعَذاب، بعدَ حياةِ التنعُّمِ والترفُّهِ في الدُّنيَا.