﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ الۡأُخۡدُودِ﴾ [البروج :4]
لُعِنَ أصحَابُ الأُخدُود.
وكانَ كفَّارٌ يَحفِرونَ الأُخدُودَ في الأرْض، وهوَ الشَّقُّ الطَّويلُ فيها، ويُؤجِّجونَ فيهِ النَّار، ويُلقُونَ فيهِ المؤمِنين، الذينَ يأبَونَ أنْ يَرجِعوا إلى الكُفر.
﴿النَّارِ ذَاتِ الۡوَقُودِ﴾ [البروج :5]
وقدْ أوقَدوا في الأُخدُودِ النَّارَ حتَّى صارَ كلُّهُ نارًا مُستَعِرَة.
﴿إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ﴾ [البروج :6]
وأحاطُوا بالنَّارِ قاعِدينَ حَولَها، مُشرِفينَ عَليها.
﴿وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِالۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ﴾ [البروج :7]
وهمْ يَشهَدونَ لبَعضِهمُ البَعضِ فيما فعَلوا بالمؤمِنين، وأنَّهمْ لم يُقَصِّروا في ذلك!
﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِاللَّهِ الۡعَزِيزِ الۡحَمِيدِ﴾ [البروج :8]
وما نقَموا منهمْ هذا الانتِقامَ الفَظيع، إلاّ لكونِهمْ آمَنوا باللهِ الغَالبِ الذي لا يُقهَر، الحَميدِ المُستَحِقِّ للحَمدِ والثَّناءِ بإنعامِهِ وإحسانِه، ولأنَّ المؤمِنينَ كفَروا بمَعبوداتِهمُ الباطِلَة.
﴿الَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضِۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [البروج :9]
اللهِ الذي لهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بينَهما، خَلقًا، ومُلكًا، وتَدبيرًا. واللهُ شاهِدٌ على كُلِّ شَيء، لا يَغيبُ عنهُ أمْر، ولا تَخفَى عليهِ خافيَة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الۡمُؤۡمِنِينَ وَالۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ الۡحَرِيقِ﴾ [البروج :10]
إنَّ الذينَ عذَّبوا المؤمِنينَ وأحرَقوهمْ ليَرجِعوا عنْ دينِهم، ثمَّ لم يُقلِعوا عنْ كُفرِهم، ولم يَندَموا على ما فعَلوا، فلهمْ عَذابُ جهنَّم، ولهمْ حَريقٌ مؤجَّجٌ يُحرَقونَ فيه، جَزاءَ ما أحرَقوا المؤمِنينَ في الدُّنيا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا الۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ الۡفَوۡزُ الۡكَبِيرُ﴾ [البروج :11]
إنَّ الذينَ آمَنوا وأخلَصوا في إيمَانِهم، وعَمِلوا الأعمَالَ الصَّالحةَ الموافِقَةَ للإسْلام، لهمْ جنَّاتٌ واسِعاتٌ يَومَ القِيامَة، تَجري الأنهَارُ مِن خِلالِ مسَاكنِها وأشجَارِها، وذلكَ هوَ الفَوزُ والنَّجَاة، والسَّعادَةُ العُظمَى.
﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج :12]
إنَّ انتِقامَ اللهِ مِنْ أعدائهِ المكذِّبين، ومِنَ الجبابرَةِ والظَّالمين، قَويٌّ عَنيف.
﴿إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج :13]
إنَّهُ القَويُّ القَادِر، الذي يَبدَأُ الخَلقَ، ثمَّ يُعيدُهُ كما بَدأهُ ويَبعَثُه.
﴿وَهُوَ الۡغَفُورُ الۡوَدُودُ﴾ [البروج :14]
وهوَ كثيرُ المغفِرَةِ لذُنوبِ عِبادِهِ المؤمِنينَ التَّائبين، المُحِبُّ لمَنْ أطاعَ وأنَاب، المُتَودِّدُ إلى عِبادِهِ بالمَغفِرَة، المُحسِنُ إلى أوليَائهِ المُكرَمينَ بالجنَّةِ والرِّضْوان.
﴿ذُو الۡعَرۡشِ الۡمَجِيدُ﴾ [البروج :15]
صاحِبُ العَرشِ العَظيمِ، خالِقُهُ ومالِكُه، العَظيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِه.
﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج :16]
وهوَ سُبحانَهُ يَفعَلُ ما يَشَاء، لا مانِعَ يَمنَعُهُ مِنْ ذلك، ولا يُعجِزُهُ شَيءٌ يُريدُه، ولا يُسأَلُ عمَّا يَفعَل.
﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ الۡجُنُودِ﴾ [البروج :17]
هلْ بلَغَكَ خبَرُ الجُمُوعِ الكافِرَة، الذينَ تَجنَّدوا على أذيَّةِ أنبِياءِ اللهِ تَعالَى، كيفَ انتقَمَ منهم؟
﴿فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج :18]
جُنودِ فِرعَون، وثَمودَ قَومِ صالح، الذينَ طغَوا وتجبَّروا، وكذَّبوا أنبِياءَه؟
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ﴾ [البروج :19]
بلْ إنَّ الكافِرينَ مِنْ قَومِكَ أيُّها الرسُولُ في شِرْكٍ وعِناد، وتَكذيبٍ عَظيمٍ للقُرآن، ولم يَعتَبِروا بمَنْ كانَ قَبلَهم.
﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ﴾ [البروج :20]
واللهُ لا يَخفَى عليهِ شَيءٌ مِنْ أعمَالِهم، وهوَ القادِرُ عَليهم، لا يُعجِزونَهُ ولا يفوتونَه، وإذا أرادَ أنزلَ بهمُ العَذابَ كما أنزَلَ بمَنْ قَبلَهم.
﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ﴾ [البروج :21]
بلْ هذا القُرآنُ الذي كذَّبوا بهِ كتَابٌ سَماويٌّ شَريف، فيهِ الخَيرُ والفَلاح، والفَوزُ والنَّجَاة، لمَنْ آمنَ بهِ وعَمِلَ بما فيه، لا يَحِقُّ تَكذيبُهُ والكُفرُ به.
﴿فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ﴾ [البروج :22]
وهوَ مَصُونٌ عنِ التغيُّرِ والتبدُّل، ثابتٌ في اللَّوحِ المَحفُوظِ في السَّماء، الذي أثبتَ اللهُ فيهِ كُلَّ شَيء.
سورة الطارق - مكية - عدد الآيات: 17
86
﴿وَالسَّمَآءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق :1]
أُقسِمُ بالسَّماءِ وما جُعِلَ فيها مِنَ النُّجومِ المُضيئةِ باللَّيل.
﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطارق :2]
وما أعلمَكَ ما هوَ الطَّارِق؟
﴿النَّجۡمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق :3]
هوَ النَّجمُ المُضيءُ الذي يَثقُبُ الظَّلامَ بضَوئه.
وقالوا في عَصرِنا: هوَ النَّجمُ النيوتروني، الذي لهُ نبَضاتٌ وطَرَقاتٌ مُنتَظِمَة... في تَفصيلٍ وإعجَاز.
﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ﴾ [الطارق :4]
كُلُّ نَفسٍ عَليها رَقيبٌ مِنَ الله، يُحصِي ويَحفَظُ عَليها أعمالَها الحسنَةَ والسيِّئة، وهوَ موَكَّلٌ بها بأمرِ الله.
﴿فَلۡيَنظُرِ الۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق :5]
فليَتفَكَّرِ الإنسَانُ بعَقلِه، وليَتدبَّرْ في مَبدَإِ خَلقِهِ كيفَ هو، ليَعلمَ أنَّ الذي بَدأ خَلقَهُ قادِرٌ على إعادَتِه.
﴿خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ﴾ [الطارق :6]
لقدْ خُلِقَ مِنْ مَنيٍّ مُتدَفِّق،
﴿يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ الصُّلۡبِ وَالتَّرَآئِبِ﴾ [الطارق :7]
يَخرُجُ مِنْ صُلبِ الرَّجُل، وهوَ عَظمُ ظَهرِهِ الفِقاريَّة، ومِنْ تَرائبِ المرْأَة، وهيَ عِظامُ صَدرِها العُلويَّة، يَلتَقي الماءَانِ في رَحِمِ المرْأَة.
﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ﴾ [الطارق :8]
واللهُ قادِرٌ على إعادَةِ خَلقِ الإنسَانِ بعدَ مَوتِه.
﴿يَوۡمَ تُبۡلَى السَّرَآئِرُ﴾ [الطارق :9]
في يَومِ القِيامَةِ تَظهَرُ الأسرَار، ويَبدو ما خَفيَ مِنَ الأعمَالِ والعَقائدِ والنيَّات.
﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ﴾ [الطارق :10]
وليسَ للإنسَانِ يَومَئذٍ قُوَّةٌ يَمتَنِعُ بها بذَاتِه، ولا ناصِرٌ يَنتَصِرُ لهُ ويُنقِذُهُ مِنْ عَذابِ الله.
﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجۡعِ﴾ [الطارق :11]
والسَّماءِ ذاتِ المطَر؛ لأنَّهُ يَرجِعُ كُلَّ عامٍ ويَتكرَّر. أو لأنَّ السَّحابَ يَحمِلُهُ مِنْ بِحارِ الأرْضِ ثمَّ يُرجِعُهُ إلى الأرْض.
وقالُوا في عَصرِنا: السَّماءُ تَقومُ بوَظيفَةِ الإرجَاعِ والعَكس، بأمرِهِ سُبحانَه. فالشَّمسُ تَجري وتَعودُ لمَكانِها، والقمَرُ يَسيرُ في مَدارٍ حَولَ الأرْضِ ثمَّ يَرجِعُ إلى مَكانِهِ الأوَّل، والسَّماءُ تُرجِعُ بُخارَ المَاءِ أمطارًا، وتُرجِعُ الأموَاجَ الكهرَطيسيَّةَ بثًّا، وتُرجِعُ الغازَاتِ في تَقَلُّباتِها إلى ما كانتْ عليه، وكُلُّ ما في السَّماءِ يَرجِعُ إلى مَكانِهِ الأوَّل، بإذنِ اللهِ وتَدبيرِه.