﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ﴾ [ص :71]
إذْ قالَ اللهُ تَعالَى لمَلائكتِهِ قَبلَ أنْ يَخلُقَ آدم: سأخلُقُ إنسانًا مِنْ طِين.
﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ [ص :72]
فإذا أتمَمْتُ خَلقَه، ونفَختُ فيهِ مِنْ رُوحي(132) ، وصارَ بشَرًا حيًّا، فاسجُدوا له، سُجودَ تَحيَّةٍ وتَكريمٍ، لا سُجودَ عِبادَة.
(132) في هامش الآيةِ (29) من سورةِ الحِجر: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}: وجعلتُ فيه الروحَ حتى جرى آثارهُ في تجاويفِ أعضائه، فحيي، وصارَ حسّاسًا متنفِّسًا. (روح البيان).
قالَ النيسابوري: ولا خلافَ في أن الإضافةَ في {رُوحِي} للتشريفِ والتكريم، مثل: (ناقة الله)، و (بيت الله). قالَ القرطبي: والروحُ جسمٌ لطيف، أجرَى الله العادةَ بأن يخلقَ الحياةَ في البدنِ مع ذلك الجسم. وحقيقتهُ إضافةُ خَلقٍ إلى خالق، فالروحُ خلقٌ من خَلقه، أضافَهُ إلى نفسهِ تشريفاً وتكريماً. (فتح القدير).
وإسنادُ النفخِ وإضافةُ الروحِ إلى ضميرِ اسمِ الجلالةِ تنويهٌ بهذا المخلوق. (التحرير والتنوير).
﴿فَسَجَدَ الۡمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ﴾ [ص :73]
وبعدَ أنْ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ سجَدَ لهُ المَلائكةُ كُلُّهم، ولم يَتأخَّروا،
﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ اسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ الۡكَٰفِرِينَ﴾ [ص :74]
إلاّ إبليسَ، استَكبَرَ عنْ تَنفيذِ أمرِ رَبِّه، ورفَضَ أنْ يَكونَ معَ الملائكةِ السَّاجِدين، وصارَ مِنَ الكافِرين، بتَعاظُمِهِ على أمرِ الله.
﴿قَالَ يَـٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ الۡعَالِينَ﴾ [ص :75]
قالَ اللهُ له: يا إبليس، ما الذي مَنعَكَ أنْ تَسجُدَ لآدمَ الذي خلَقتُهُ بيَدَيّ، أتَكبَّرْتَ عمَّا أمَرتُكَ به، أمْ أنَّكَ مِنَ العالِينَ الذينَ لا يَخضَعونَ لأمر؟
﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [ص :76]
قالَ إبليسُ اللَّعين: أنا أفضَلُ مِنْ آدم، فقدْ خلَقتَني مِنْ نار، وخلَقتَهُ مِنَ طِين، والنَّارُ أشرَفُ مِنَ الطِّين، فلماذا أسجُدُ له؟
ومِقياسُهُ فاسِد، وعِصيانُهُ ظاهِر، فالفَضلُ لمَنْ جعلَ اللهُ لهُ الفَضل، والطِّينُ أفضَلُ مِنَ النَّار، فَفيهِ الرَّزانَةُ والحِلمُ والصَّبر، وهوَ محَلُّ النَّباتِ والنموّ... والنَّارُ مِنْ شَأنِها الإحرَاقُ والطَّيش، والجُرأةُ والسُّرعَة، ولهذا كانَ الشَّيطانُ طائشًا، عاصِيًا لرَبَّه.
﴿قَالَ فَاخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ﴾ [ص :77]
قالَ اللهُ تَعالَى له: فاخرُجْ مِنَ الجنَّة، فإنَّكَ مَطرودٌ مِنْ كُلِّ خَيرٍ وكرَامَة.
﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ الدِّينِ﴾ [ص :78]
وإنَّكَ مُبعَدٌ مِنْ رَحمَتي، وتَلحَقُكَ لَعنَتي إلى يَومِ القيامَة؛ جَزاءَ عِصيانِك.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ [ص :79]
قالَ إبليس: رَبِّ أمهِلني ولا تُمِتني إلى اليَومِ الذي يُبعَثُ فيهِ آدمُ وذُرِّيَّتُهُ للحِسابِ والجَزاء. وهذا مِنْ حسَدِهِ وعَداوَتِهِ لابنِ آدمَ ليُضِلَّهم، فيُبعَدوا مِنْ رَحمَةِ الله، كما أبعدَهُ اللهُ مِنْ رَحمَتِه.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الۡمُنظَرِينَ﴾ [ص :80]
قالَ لهُ رَبُّه: قدْ أمهَلتُك، فأنتَ مِنْ جُملَةِ المؤَخَّرِين؛ لحِكمَةٍ أمتَحِنُ بها عِبادي.
﴿إِلَىٰ يَوۡمِ الۡوَقۡتِ الۡمَعۡلُومِ﴾ [ص :81]
أمهَلتُكَ إلى يَومِ النَّفخَةِ الأُولَى آخِرِ أيَّامِ التَّكليف، وهوَ يَومٌ مَعلوم، لا يَبقَى فيهِ على وَجهِ الأرضِ حَيّ.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [ص :82]
قالَ إبليسُ اللَّعين: فبِعِزَّتِكَ وعَظيمِ سُلطانِك، لأُحَبِّبَنَّ إليهمُ المَعاصيَ والمُنكَرات، وأُرَغِّبَنَّهمْ فيها حتَّى يَعمَلوها، ولأُضِلَّنَّهمْ بذلكَ أجمَعين،
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ الۡمُخۡلَصِينَ﴾ [ص :83]
إلاّ عِبادَكَ الذينَ أخلَصوا لكَ الطَّاعَةَ والتَّوحيد، واتَّقَوا ما نَهَيتَهمْ عَنهُ، فلا أقدِرُ عَليهم.
﴿قَالَ فَالۡحَقُّ وَالۡحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص :84]
قالَ اللهُ تَعالَى: فأقولُ، ولا أقولُ إلاّ الحقَّ المُبِين:
﴿لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [ص :85]
لأملأنَّ جَهنَّمَ منكَ، ومِنْ ذُرِّيَّتِك، ومِنْ كُفَّارِ ذُرِّيَّةِ آدمَ أجمَعين، الذينَ تابَعوكَ على ضَلالِك.
﴿قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ الۡمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص :86]
قُلْ أيُّها الرَّسُولُ للمُشرِكينَ مِنْ حَولِك: لا أطلبُ على تَبليغِ الرِّسَالَةِ والدَّعوَةِ إلى اللهِ أُجرَةً تُؤَدُّونَها إليّ، ولستُ ممَّنْ يَتصَنَّعونَ ويَتكَلَّفونَ ما ليسَ عندَهم، ولا أَزيدُ ولا أَنقُصُ مِنْ كِتابِ رَبِّي شَيئًا.
﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [ص :87]
ما هذا القُرآنُ ألاّ تَذكِرَةٌ وعِظَةٌ لكمْ وللنَّاسِ أجمَعين، لتَتذَكَّروا وتَهتَدوا به.
﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ﴾ [ص :88]
وستَعلَمونَ خبَرَهُ، وصِدْقَ ما جاءَ بهِ مِنَ الوَعدِ والوَعيد، والثَّوابِ والعِقاب، بعدَ مُدَّة.
سورة الزمر - مكية - عدد الآيات: 75
39
﴿تَنزِيلُ الۡكِتَٰبِ مِنَ اللَّهِ الۡعَزِيزِ الۡحَكِيمِ﴾ [الزمر :1]
تَنزيلُ القُرآنِ مِنَ اللهِ العَزيزِ الذي لا يُغلَب، الحَكيمِ في أقوالِهِ وأفعالِه.
﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ الۡكِتَٰبَ بِالۡحَقِّ فَاعۡبُدِ اللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر :2]
إنَّا أنزَلنا إليكَ هذا القُرآنَ - أيُّها الرَّسُولُ - بالحقِّ والصَّواب، لا يَشُوبُهُ باطِلٌ أو هَزْل، فكُلُّ ما فيهِ مُوجِبٌ للإيمانِ بهِ وقَبولِه، فاعبُدِ اللهَ وَحدَهُ لا شَريكَ له، وأخلِصْ لهُ العِبادَة.
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الۡخَالِصُۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ اللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزمر :3]
فاللهُ وَحدَهُ يُخَصُّ بالعِبادَةِ والإخلاصِ فيها له، فلا إلهَ إلاّ هو، والذينَ جعَلوا معَ اللهِ شُرَكاءَ يَقولون: نحنُ لا نَعبدُهمْ إلاّ ليُقَرِّبونا إلى الله، ويُوصِلوا أدعيَتَنا إليه، ويَشفَعوا لنا عِندَه، ليَنصُرَنا ويَرزُقَنا!
واللهُ يَقضي بينَهمْ وبينَ مَنْ أخلَصوا الدِّينَ للهِ يَومَ القِيامَة، ويَجزي كُلاًّ بما عَمِل، واللهُ لا يَهدي مَنْ كانَ قَصدُهُ الكَذِبَ، ولا مَنْ كانَ مُخاصِمًا عَنيدًا مُصِرًّا على الكُفر، الذي تَمادَى في الغَيّ، وتمرَّنَ في الضَّلالَة، حتَّى صارَ أعمَى البَصيرَة.
﴿لَّوۡ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّاصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ اللَّهُ الۡوَٰحِدُ الۡقَهَّارُ﴾ [الزمر :4]
لو أرادَ اللهُ – فرَضًا - أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا، لاختارَ ما شَاءَ ممَّا يُناسِبُ أُلوهيَّتَه، ولكنَّهُ سُبحانَهُ لم يَشَأ ذلك، فليسَ لأحَدٍ أنْ يَنسِبَ إليهِ الولَد. تَقدَّسَ وتنزَّهَ عنِ الشَّريكِ والمَثيل، هوَ الواحِدُ الأحَد، الذي قهرَ كُلَّ شَيءٍ بقُدرَتِهِ وعَظمَتِه.
﴿خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالۡأَرۡضَ بِالۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ الَّيۡلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ الشَّمۡسَ وَالۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ الۡعَزِيزُ الۡغَفَّـٰرُ﴾ [الزمر :5]
هوَ الذي خلَقَ السَّماواتِ العَظيمَةَ والأرْضَ وما فيها لحِكَمٍ ومَصالِحَ، وليسَ عبَثًا وباطِلاً، يَلُفُّ اللَّيلَ على النَّهارِ فيَمضي ليَحِلَّ محلَّهُ اللَّيلُ، ويَلُفُّ النَّهارَ على اللَّيلِ ليَمضيَ ويَحِلَّ مَحلَّهُ النَّهارُ، وهكذا. وذَلَّلَ الشَّمسَ والقمَرَ وجعَلَهما مُنقادَينِ لأمرِه، وكُلٌّ مِنْ هذا وذاكَ يَجري لمُدَّةٍ مَعلومَةٍ حتَّى تَنقَطِعَ حرَكتُه. ألَا إنَّ اللهَ عَزيزٌ لا يُغلَبُ إذا عاقَب، ويَغفِرُ ذُنوبَ عِبادِهِ التَّائبين، ولو أسرَفوا.
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ الۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [الزمر :6]
خَلقَكمُ اللهُ مِنْ نَفسٍ واحِدَة، هيَ آدم، وخلقَ مِنْ هذهِ النَّفسِ زَوجَها حوَّاء، وخلقَ لكمْ مِنَ الأنعامِ ثَمانيَةَ أزواج: ذَكرًا وأُنثَى، هيَ: الإبِل، والبقَر، والضَّأن، والمَعْز.
وخلقَكمْ في بُطونِ أمَّهاتِكمْ أطوارًا، فمِنْ نُطفَة، إلى علَقَة، ثمَّ مُضغَة، فعِظام، فمَكسوَّةٍ بلَحم، ثمَّ يُنفَخُ الرُّوحُ في الجَنين، الذي يَكونُ في مَواضِعَ مُظلِمَةٍ ثَلاثة، هي: ظُلمَةُ الرَّحِم، وظُلمَةُ المَشِيمَة، وظُلمَةُ البَطن. وذهبَ أطبَّاءُ إلى أنَّ المَقصودَ بالظُّلماتِ الأغشيَةُ، وهيَ الطَّبَقاتُ الثُّلاثيَّةُ للمَشِيمَة: الأمَنوسي المُحيطُ بالجَنين، والكوريوني الذي يَتَّصِلُ بالمَشِيمَةِ ويُمِدُّ الجَنينَ بالغِذاء، والسَّاقِطُ الذي يُثبِتُ الجَنينَ بجِدارِ الرَّحِم. وقالوا: إنَّ للظُّلمَةِ دَورًا كبيرًا في النموّ، فالضَّوءُ يُعَوِّقُ مَراحِلَ النموِّ المُختَلِفَة.
ذلكمُ الخالِقُ العَظيمُ هوَ رَبُّكمْ ورازِقُكم، لهُ المُلْكُ والخَلقُ والتَّدبيرُ كُلُّه، لا إلهَ غَيرُه، ولا مَعبودَ بحَقٍّ سِوَاه، فكيفَ تُصرَفونَ عنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيرِهِ وهمْ لا يَخلقُونَ ولا يَرزُقون؟!
﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ الۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر :7]
إنْ تَكفُروا باللهِ وبنِعَمِهِ فإنَّهُ غَنيٌّ عنْ إيمانِكمْ وشُكرِكم، فلا يَضرُّهُ ذلك، ولا يُحِبُّ الكُفرَ ولا يأمرُ به، لِما فيهِ مِنَ الضَّرَرِ على العِباد. وإنْ تُؤمِنوا بهِ وتَشكُروا فَضلَهُ عَليكم، فإنَّهُ يُحِبُّهُ منكمْ ويُثيبُكمْ عَليه، ولا تَملِكُ نَفسٌ أنْ تَحمِلَ عنْ غَيرِها ذُنوبَها، بلْ كُلُّ نَفسٍ مَقرونَةٌ بعمَلِها، مُحاسَبَةٌ عَليه، ثمَّ تُبعَثونَ إلى اللهِ يَومَ الحِساب، فيُخبِرُكمْ بما عَمِلتُمْ مِنْ خَيرٍ وشَرّ، إنَّهُ عَليمٌ بما تُخفيهِ الصُّدور، لا يَغيبُ عَنهُ شَيءٌ مِنْ ذلك.
﴿۞وَإِذَا مَسَّ الۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ النَّارِ﴾ [الزمر :8]
وإذا أصابَ الإنسَانَ بَلاءٌ وشِدَّة، مِنْ مرَضٍ وفَقرٍ وغَيرِه، دَعا اللهَ وحدَهُ في ذُلٍّ وخُضُوع، ورجعَ إليهِ خاشِعًا مُتضَرِّعًا، فإذا مَنحَهُ نِعمَةً مِنْ عندِهِ وزادَهُ فَضلاً، نَسِيَ ما كانَ يَدعُو بهِ ويَتضَرَّعُ إلى رَبِّهِ وهوَ في حالِ ضُرّ. والمؤمِنُ لا يَنسَى رَبَّهُ ولو كانَ في رَفاهية. وزادَ هذا الكافِرُ بنِعمَةِ رَبِّهِ فجعَلَ لهُ شُرَكاءَ في العِبادَة، ليُضِلَّ النَّاسَ عنِ التَّوحيدِ ويَصُدَّهمْ عنْ طاعَةِ الله، قُلْ لمَنْ كانَ هذا مِنهَجُه: تَمتَّعْ بكُفرِكَ قَليلاً في الدُّنيا إلى أنْ يَحينَ أجَلُك، فإنَّكَ مِنْ أهلِ النَّار(133) .
(133) التمتع: الانتفاعُ المؤقت، والتقدير: تمتَّعْ بالسلامةِ من العذابِ في زمنِ كفرِكَ أو متكسِّباً بكفرِك، تمتعاً قليلاً، فأنت آيلٌ إلى العذاب؛ لأنك من أصحابِ النار. ووصفُ التمتعِ بالقليل؛ لأن مدةَ الحياةِ الدنيا قليلٌ بالنسبةِ إلى العذابِ في الآخرة. وصيغةُ الأمرِ في قوله: {تَمَتَّعْ} مستعملةٌ في الإِمهال، المرادِ منه الإِنذارُ والوعيد. (التحرير، باختصار).
﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ الَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ الۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي الَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر :9]
أأنتَ أفضَلُ أيُّها المشرِكُ أمْ مَنْ هوَ قائمٌ بواجبِ الطَّاعَةِ والشُّكرِ في سَاعاتِ اللَّيل، ساجِدًا للهِ وقائمًا لهُ في الصَّلاة، يَخشَى عَذابَ الآخِرَة، ويَطمَعُ في رَحمَةِ رَبِّهِ وعَفوِه؟
قُلْ أيُّها الرَّسولُ الكَريم: هلْ يَستَوي العالِمُ والجاهِل؟ كذلكَ لا يَتساوَى المُطيعُ الذي يَعلَمُ ما عندَ اللهِ مِنْ رَحمَةٍ وعَذاب، والعاصِي الجاهِلُ الذي يَكفرُ باللهِ ويَدعو إلى الضَّلال؟ إنَّما يَتذَكَّرُ هذا الفَرقَ ويَتَّعِظُ أهلُ العُقولِ السَّوِيَّة.
﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ الدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ اللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّـٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر :10]
أخبِرهمْ بقَولي أيُّها الرَّسُول: يا مَنْ آمَنَ مِنْ عِبادي، أطيعُوا اللهَ واجتَنِبوا مَعاصِيه، فإنَّ لمَنْ آمنَ في هذهِ الدُّنيا وأحسنَ أجرًا ومَثوبَةً حسَنَةً في اليَومِ الآخِر، وأرضُ اللهِ كَبيرَةٌ رَحبَة، وإذا ضُيِّقَ عَليكمْ في دينِكمْ ولم تَتمَكَّنوا مِنْ إقامَةِ شَعائرِ الله، فهاجِروا إلى حيثُ تَتمَكَّنونَ مِنْ ذلك، إنَّما يُجزَى الذينَ صبَروا على دينِهمْ ولم يَترُكوهُ لأذًى أصابَهم، أجرًا عَظيمًا لا يَعرِفُ قَدْرَهُ إلاّ الله.
﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ اللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر :11]
قُلْ أيُّها النبيّ: إنَّ اللهَ أمرَني - كما أمرَ المؤمِنينَ - بإخْلاصِ العِبادَةِ لهُ وَحدَهُ لا شَريكَ له.
﴿وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ الۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الزمر :12]
وأُمِرْتُ بذلكَ لأكونَ أوَّلَ المسلِمينَ في أُمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أو لأكونَ في مُقَدَّمِ المسلِمينَ في الدُّنيا وفي الآخِرَة.