﴿فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ﴾ [الصافات :161]
فأنتُمْ أيُّها المشرِكونَ وآلِهتُكمُ التي ما تَزالُونَ تَعبدونَها،
﴿مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ﴾ [الصافات :162]
ما أنتُمْ بمُضلِّينَ مِنْ أحَدٍ بإغوائكم،
﴿إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ الۡجَحِيمِ﴾ [الصافات :163]
إلاّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الضَّلالَة، الذينَ يَدخُلونَ النَّارَ لا مَحالَة.
﴿وَمَامِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ﴾ [الصافات :164]
قالَ المَلائكةُ عَليهمُ السَّلام: وليسَ هُناكَ منَّا أحَدٌ إلاّ ولهُ مَقامٌ مَعروفٌ في الطَّاعَةِ والعِبادَة.
﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ الصَّآفُّونَ﴾ [الصافات :165]
ونحنُ الذينَ نَقِفُ صُفوفًا مُستَقيمَةً للعِبادَةِ كما أمرَنا رَبُّنا.
﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ الۡمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات :166]
ونحنُ الذينَ نُقَدِّسُ اللهَ ونُنَزِّهُهُ عمَّا لا يَليقُ بهِ مِنْ عَيبٍ وشِرك.
﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات :167]
وقدْ كانَ الكفَّارُ يَقولونَ قَبلَ مَبعَثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
﴿لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ الۡأَوَّلِينَ﴾ [الصافات :168]
لو كانَ عِندَنا كِتابٌ مِنَ الكتُبِ التي أُنزِلَتْ على الأُمَمِ السَّالِفَة،
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الۡمُخۡلَصِينَ﴾ [الصافات :169]
لأطَعنا اللهَ فيما يأمرُنا، وأخلَصْنا لهُ العِبادَة.
﴿فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ﴾ [الصافات :170]
فلمَّا جاءَهمُ الكِتابُ كفَروا به، وكذَّبوا رَسُولَ رَبِّهم، فسَوفَ يَعلَمونَ عاقِبَةَ كُفرِهم، وكيفَ يَنتَقِمُ اللهُ منهم.
﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الصافات :171]
وقدْ سبقَ وَعدُنا لرسُلِنا وأتباعِهمُ المؤمِنين،
﴿إِنَّهُمۡ لَهُمُ الۡمَنصُورُونَ﴾ [الصافات :172]
أنَّ اللهَ سيَكتُبُ لهمُ النَّصرَ والفَوزَ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَة،
﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات :173]
وأنَّ أتباعَهمُ المؤمِنينَ سيَغلِبونَ أعداءَهمُ الكافِرينَ بالحُجَّةِ والنُّصرَة.
وصُوَرُ النَّصرِ لا تَقتَصِرُ على النَّاحيَةِ العَسكريَّة، فقدْ يأتي النَّصرُ بالدَّعوَةِ والدَّليل، وقدِ انتَصرَ المسلِمونَ في مَواقِعَ بدونِ سِلاح، على أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القوَّةِ والاستِعداد، فلا يُوقِفُ العدوَّ في حَدِّهِ إلاّ الجِهاد. وقدْ يُغلَبُ المُسلِمونَ بتَقصيرٍ منهم، أو ابتِلاءٍ ومِحنَةٍ مِنَ اللهِ لهم، والمهمُّ ألاّ يَيأسُوا، وأنْ يَعلَموا أنَّهمْ على الدِّينِ الحقّ، وأنَّهمْ إذا لم يرَوا النصرَ وقُتِلوا فقدْ فازُوا بالشَّهادَة.
﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ﴾ [الصافات :174]
فأعرِضْ عَنهمْ واصبِرْ على أَذاهُمْ مُدَّة،
﴿وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ﴾ [الصافات :175]
وأمهِلهم، وانظُرْ مِنْ بَعدُ ما الذي يَحِلُّ بهمْ مِنَ العَذابِ والنَّكال، فسَوفَ يُبصِرونَ بأنفُسِهمْ ما أنكَروه.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ [الصافات :176]
أيَتعَجَّلونَ العَذابَ ظَنًّا منهمْ أنَّهُ لا يَكون، أو لا يَحيقُ بهم؟
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ الۡمُنذَرِينَ﴾ [الصافات :177]
فإذا نَزلَ العَذابُ المَوعودُ بفِنائهم، فبِئسَ الصَّباحُ صَباحُ الكافِرينَ المُكذِّبين(126) .
(126) أي: بئسَ صباحُ الذين أُنذِروا بالعذاب، والمخصوصُ بالذمِّ محذوف، أي: صباحُهم. وخُصَّ الصباحُ بالذكرِ لأن العذابَ كان يأتيهم فيه. (فتح القدير).
والصباحُ مستعارٌ من صباحِ الجيشِ المبيّتِ لوقتِ نزولِ العذاب، ولما كثرتْ منهم الإغارةُ في الصباحِ سمَّوها صباحًا، وإن وقعتْ ليلًا. (روح البيان).
﴿وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ﴾ [الصافات :178]
فأعرِضْ عَنهم، واصبِرْ عَليهمْ مُدَّة.
﴿وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ﴾ [الصافات :179]
وانظُرْ مِنْ بَعدُ ما الذي يُصيبُهم، وكيفَ يَكونونَ في أسوَأ حَال، وسَوفَ يُبصِرونَ بأنفُسِهمْ ما الذي يَحِلُّ بهمْ مِنَ العَذابِ والهَوان.
﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ الۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات :180]
تَقدَّسَ اللهُ وتَنزَّهَ عمَّا يَصِفُهُ بهِ المشرِكونَ ممَّا لا يَليقُ بذاتِهِ الكريمَة، وهوَ العَزيزُ بنَفسِه، الغالِبُ القاهِر، رَبُّ القوَّةِ والغلَبَة.
﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى الۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الصافات :181]
وسَلامٌ مِنَ اللهِ وأمانٌ منهُ لأنبِيائهِ المُرسَلين، الفائزينَ بالأجرِ العَظيم.
﴿وَالۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ الۡعَٰلَمِينَ﴾ [الصافات :182]
والشُّكرُ للهِ وَحدَه، والثَّناءُ عَليهِ كما يَنبَغي لجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، ربِّ الثقلَين، ومالكِ كلِّ شيء.
سورة ص - مكية - عدد الآيات: 88
38
﴿صٓۚ وَالۡقُرۡءَانِ ذِي الذِّكۡرِ﴾ [ص :1]
حَرفُ الصَّادِ مِنَ الحروفِ المقَطَّعَة، التي لا يُعرَفُ مَعناها.
أُقسِمُ بالقُرآنِ ذي القَدْرِ العَظيم، المُشتَملِ على التَّذكِرَةِ والمَوعِظَة، ممَّا يَحتاجُهُ النَّاسُ في أمرِ مَعاشِهمْ ومَعادِهم.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ﴾ [ص :2]
إنَّ الكافِرينَ لم يَنتَفِعوا به، لأنَّهمْ في استِكبارٍ عنِ الإذعَانِ له، وامتِناعٍ منَ الإيمانِ به، ومُخالَفَةٍ ومُخاصَمَةٍ لرَدِّهِ وإبطالِه.
﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ﴾ [ص :3]
ما أكثرَ مَنْ أهلَكنا مِنْ قَبلِهمْ مِنَ الأُمَمِ المكذِّبَةِ برسُلِها، المُصِرَّةِ على الكُفر، فاستَغاثُوا باللهِ ودعَوهُ مُخلِصينَ حينَ عايَنوا نُزولَ العَذابِ بهم، ولكنَّهُ ليسَ وقتَ فِرارٍ ولا إجابَة.
﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ الۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ [ص :4]
وتعَجَّبَ المشرِكونَ لمَّا بُعِثَ فيهمْ رَسُولٌ مِنْ جِنسِهمْ يُنذِرُهم، وأنكَروا احتِمالَ وقُوعِه، وقالَ الكافِرونَ برِسالَةِ رَبِّهم: هذا الرَّجلُ ساحِرٌ فيما يأتي بهِ مِنَ المُعجِزات، كاذِبٌ فيما يُسنِدُهُ إلى رَبِّهِ مِنْ كَلام.
﴿أَجَعَلَ الۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص :5]
وقالوا في جَهل: أجعَلَ العِبادَةَ لإلهٍ واحِدٍ دونَ الآلهَةِ الأُخَر؟ إنَّ هذا أمرٌ يَدعو إلى العجَب، إنَّهُ مُخالِفٌ لِمَا ألِفْناه.
﴿وَانطَلَقَ الۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ امۡشُواْ وَاصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ [ص :6]
وانطلقَ قادَةُ قُرَيشٍ وكُبَراؤها مِنْ مَجلسِ أبي طالبٍ وهمْ يَقولون: اخرُجوا وابقُوا ثابتينَ على عِبادَةِ آلهَتِكم، ولا تَسمَعوا لِما يَدعوكمْ إليهِ محمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم)، ولا تَقولوا: لا إله إلاّ الله، وإنَّ هذا الذي يَدعو إليهِ يُريدُ مِنْ وَرائهِ أمْرًا.
﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي الۡمِلَّةِ الۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا اخۡتِلَٰقٌ﴾ [ص :7]
قالوا: لم نَسمَعْ بهذا الذي يَدعو إليهِ مِنَ التَّوحيدِ ونَبذِ الشِّركِ في آخِرِ الأديان - وهوَ النَّصرانيَّة، فإنَّهمْ كانوا على الشِّركِ - فما هذا الذي يَذكرهُ محمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) سِوَى تَخرُّصٍ وافتِراء.
﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ الذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص :8]
أوَقدْ أُوحيَ إليهِ القُرآنُ مِنْ بَينِنا ونحنُ الرُّؤَساءُ والأشرَاف؟ بلْ همْ في ارتيابٍ مِنَ القُرآنِ الذي يَدعو إلى التَّوحيد، بلْ لأنَّهمْ لم يَذوقوا عَذابَ الله، ولو أنَّهُ تَعالَى أنزلَ بهمْ نِقمتَهُ لآمَنوا.