﴿أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَـٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر :43]
أكفَّارُكمْ - يا مُشرِكي قُرَيشٍ - أفضَلُ مِنَ الكفَّارِ السَّابقِين، وأشَدُّ منهمْ قوَّةً وأكثَرُ عَددًا، أمْ أنَّ معَكمْ بَراءَةً مِنَ العَذابِ في الكتُبِ السَّماويَّة، ولذلكَ أنتُمْ خائضُونَ في الكُفرِ والمَعاصي؟
﴿أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ﴾ [القمر :44]
أمْ أنَّهمْ واثِقونَ مِنْ قوَّتِهمْ في جَمعِهم، ويَظنُّونَ أنَّهمْ بهذا مُنتَصِرونَ لا يُغلَبون؟
﴿سَيُهۡزَمُ الۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر :45]
بلْ ستُهزَمُ جُموعُهمْ ويُوَلُّونَ الأدْبار.
وحدثَ هذا يَومَ بَدر، وقدْ خرجَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المشرِكينَ وهوَ يَتلو هذهِ الآيَة، وانتصرَ المسلِمون، وهُزِمَ أعداؤهمْ شرَّ هَزيمَة، وكانوا أكثرَ منهم.
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَالسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [القمر :46]
بلْ إنَّ أمامَهمْ عُقوبةً أكبَر، فمَوعدُهمُ يَومُ القِيامة، حيثُ الحِسابُ والجَزاء، والقِيامَةُ أعظَمُ داهيةً وبليَّة، وأشَدُّ مَرارةً مِنَ القَتلِ والأسْرِ.
﴿إِنَّ الۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ﴾ [القمر :47]
إنَّ الكافِرينَ المجرِمينَ في ضَلالٍ وبُعدٍ عنِ الحقِّ في الدُّنيا، وفي نِيرانٍ مُسعَرَةٍ في الآخِرَة.
﴿يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر :48]
يَومَ يُجَرُّونَ في النَّارِ على وجُوهِهم، ويُقالُ تَوبيخًا لهم: ذُوقوا ألمَ العَذابِ وشِدَّتَهُ في جهنَّم.
﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر :49]
إنَّ كلَّ شَيءٍ خَلقناهُ كانَ مُقدَّرًا مَكتوبًا في اللَّوحِ المَحفوظِ قَبلَ وقوعِه.
﴿وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِالۡبَصَرِ﴾ [القمر :50]
وما شَأنُنا - إذا أرَدنا شَيئًا - إلاّ الأمرُ بهِ مرَّةً واحدَة، فيَكونُ حاصِلاً كلَمحِ البصَر، لا يَتأخَّرُ عنْ ذلكَ طَرْفَةَ عَين.
﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر :51]
ولقدْ أهلَكنا أمثالَكمْ - يا مُشرِكي قُرَيشٍ - مِنَ الكافِرينَ المُكذِّبينَ في الأُمَمِ السَّابقة، فهلْ مِنْ مُتذَكِّرٍ ومُعتَبِرٍ بهم؟
﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر :52]
وكُلُّ شَيءٍ فعَلوهُ مِنَ الكُفرِ والمَعاصي مَكتوبٌ في صُحُفِ أعمالِهم، التي أحصَاها عليهمْ ودوَّنَها الحفَظَةُ مِنَ المَلائكة.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ﴾ [القمر :53]
وكُلُّ عمَلٍ صَغيرٍ وكبيرٍ مَسطورٌ بتَفاصيلِهِ ومُثبَتٌ في اللَّوحِ المَحفُوظ.
﴿إِنَّ الۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّـٰتٖ وَنَهَرٖ﴾ [القمر :54]
إنَّ عِبادَ اللهِ المؤمِنين، الذينَ اتَّقَوا عِقابَ اللهِ بطاعَته، في جَنَّاتٍ عاليَات، وأنهارٍ جاريَات، مِنْ مَاء، وخَمر، ولبَن، وعسَل.
﴿فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ﴾ [القمر :55]
في دارِ كرامَة، ومَكانٍ مَرْضِيّ، ومَجلِسِ حَقٍّ لا لغوٌ فيهِ ولا تأثيم، عندَ مَلِكٍ قادرٍ عَظيم، لا يُعجِزُهُ أمرٌ مِنَ الأمُور.
سورة الرحمن - مدنية - عدد الآيات: 78
55
﴿الرَّحۡمَٰنُ﴾ [الرحمن :1]
اللهُ تَعالَى ذو الرَّحمَةِ العَظيمَة،
﴿عَلَّمَ الۡقُرۡءَانَ﴾ [الرحمن :2]
يسَّرَ القُرآنَ للتِّلاوَةِ والحِفظ، والفَهمِ والتدَبُّر.
﴿خَلَقَ الۡإِنسَٰنَ﴾ [الرحمن :3]
خَلقَ الإنسان، أصلَهُ مِنْ تُراب، ونَسلَهُ مِنْ نُطفَة.
﴿عَلَّمَهُ الۡبَيَانَ﴾ [الرحمن :4]
علَّمَهُ النُّطقَ والتَّعبير، والإفصاحَ والتَّبيين.
﴿الشَّمۡسُ وَالۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ﴾ [الرحمن :5]
الشَّمسُ والقمَرُ يَجريانِ بحِسابٍ مُقدَّرٍ دَقيق.
﴿وَالنَّجۡمُ وَالشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ﴾ [الرحمن :6]
والنَّجمُ في السَّماء، والشجَرُ في الأرْض، يَسجُدانِ لله، بكيفيَّةٍ لا نَعلَمُها، ويَنقادانِ لأمرِهِ فيما يُريدُ منهما.
﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الۡمِيزَانَ﴾ [الرحمن :7]
والسَّماءَ رفعَها فَوقَ الأرْضِ بلا عَمَد، وشرَعَ العَدلَ وأمرَ به، حتَّى لا تَختلَّ الأُمور، ولا تُهدَرَ الحقُوق.
﴿أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي الۡمِيزَانِ﴾ [الرحمن :8]
وأمرَ ألاَّ تَتجاوَزوا العَدل، ولا تَظلِموا.
﴿وَأَقِيمُواْ الۡوَزۡنَ بِالۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ الۡمِيزَانَ﴾ [الرحمن :9]
وأقيموا لِسانَ الميزَانِ بالعَدلِ عندَ البَيعِ والشِّراء، ولا تَنقُصوا الميزانَ بالكَيلِ والوَزن.
﴿وَالۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ﴾ [الرحمن :10]
والأرْضَ مهَّدَها وبسَطَها ليَعيشَ فيها الخَلق.
﴿فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَالنَّخۡلُ ذَاتُ الۡأَكۡمَامِ﴾ [الرحمن :11]
فيها أنواعُ الفاكِهَةِ ذاتُ الطُّعومِ والألوَانِ المُختَلِفَة، والنَّخلُ ذاتُ أوعيَةِ الطَّلْع، التي تَحمِلُ الثَّمَر.
﴿وَالۡحَبُّ ذُو الۡعَصۡفِ وَالرَّيۡحَانُ﴾ [الرحمن :12]
والحُبوبُ التي يُقتاتُ بها ويُتغذَّى منها، ذاتُ الورَقِ الذي يَتحوَّلُ إلى علَفٍ للحيَوانات. وفيها الرِّزقُ الطيِّب.
﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن :13]
فبأيِّ نِعَمِ اللهِ الظاهِرَةِ عَليكما تُكذِّبانِ أيُّها الثَّقَلانِ مِنَ الجِنِّ والإنس، الدِّينيَّةِ منها والدُّنيَويَّة؟ إنَّكما لا تَستَطيعانِ أنْ تَجحَداها، ولا أنْ تَستَغنيا عَنها.
﴿خَلَقَ الۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَالۡفَخَّارِ﴾ [الرحمن :14]
خلقَ أصلَ الإنسانِ مِنْ طِينٍ يابسٍ كالفخَّار. وهوَ ما أُحرِقَ مِنَ الطِّينِ حتَّى تَحجَّر، إذا نقَرْتَهُ سَمِعتَ لهُ صَلصَلَة.
قالَ صاحبُ "روحِ المعاني": خلقَ اللهُ تَعالَى آدمَ عَليهِ السَّلامُ مِنْ تُراب، جعلَهُ طينًا، ثمَّ حَمَأً مَسنُونًا، ثمَّ صَلصَالاً، فلا تَنافيَ بينَ الآيَةِ النَّاطِقَةِ بأحَدِها، وبينَ ما نطقَ بأحَدِ الآخَرين.
﴿وَخَلَقَ الۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [الرحمن :15]
وخلقَ الجِنَّ مِنْ لهَبِ نارٍ خالِصٍ شَديدَةِ الحرارَة.
﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن :16]
فبأيِّ نِعَمِ اللهِ تُكذِّبانِ أيُّها الثَّقلان، وقدْ أنعمَ عَليكما في خَلقِكما؛ أصلِكما وتَكوينِكما وهَيئتِكما؟
﴿رَبُّ الۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ الۡمَغۡرِبَيۡنِ﴾ [الرحمن :17]
رَبُّ المَشرِقَينِ: مَشرِقِ الصَّيفِ ومَشرِقِ الشِّتاء، ورَبُّ المَغرِبَينِ: مَغرِبِ الصَّيفِ ومَغرِبِ الشِّتاء، حيثُ اختِلافُ مواضعِ طُلوعِ الشَّمسِ فيهما.