تفسير الجزء 30 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الثلاثون
30
من سورة النبأ حتى سورة الناس

﴿أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ [العلق:13]


أرأيتَ إنْ كانَ هذا المشرِكُ الذي يَمنَعُكَ مِنَ الصَّلاةِ مُكذِّبًا بالحقّ، مُعرِضًا عنِ الإيمَان؟

﴿أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق:14]


ألمْ يَعلَمْ بأنَّ اللهَ يَسمَعُ ما يَقول، ويرَى ما يَفعَل، وسيَجزيهِ شرًّا على ما أساءَ وعصَى؟

﴿كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:15]


كلاَّ لهُ ولفِعلِه، إذا لم يَنتَهِ عنْ إيذائكَ وتَكذيبِك، ولم يَرجِعْ عنِ العِنادِ والشِّقاقِ الذي هوَ فيه، لنَأخُذَنَّ بناصيَتِهِ ونَسحَبُهُ بها إلى النَّارِ يَومَ القِيامَة(162).

(162) الناصية: مقدَّمُ شعرِ الرأس. (ابن عطية). وكانت العربُ تأنفُ من جرِّ الناصية. وفي "عين المعاني": الأخذُ بالناصيةِ عبارةٌ عن القهرِ والهوان. (روح البيان).

﴿نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ﴾ [العلق:16]


صاحِبُ هذهِ النَّاصيَةِ كثيرُ الكذِبِ والمعاصِي.

﴿فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ﴾ [العلق:17]


فليَدْعُ أهلَ مَجلسِه، مِنْ أهلِهِ وعَشيرَتِه، وليَستَنصِرْ بهم.

وقدْ قالَ أبو جَهلٍ لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّكَ لتَعلَمُ ما بها نادٍ أكثَرُ منِّي.

﴿سَنَدۡعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:18]


ونحنُ سنَدعو زَبانيَةَ جهنَّم، مِنَ المَلائكةِ الغِلاظِ الشِّداد، ليَجرُّوهُ إلى النَّارِ ويُعَذِّبوهُ فيها.

﴿كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَاسۡجُدۡۤ وَاقۡتَرِب۩﴾ [العلق:19]


كلاَّ لهذا المشرِكِ المجرِم، لا تُطِعْهُ فيما يَنهاكَ عنِ الصَّلاةِ أيُّها النبيّ، فإنَّ اللهَ حافِظُكَ وناصِرُك، وصَلِّ للهِ واسجُدْ لهُ غَيرَ مُبالٍ بهِ وبتَهديدِه، وتقرَّبْ بذلكَ إلى ربِّك.

وفي صَحيحِ مسلمٍ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "أقرَبُ ما يَكونُ العَبدُ مِنْ ربِّهِ وهوَ ساجِد، فأكثِروا الدُّعاء".

سورة القدر - مكية - عدد الآيات: 5

97

﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ الۡقَدۡرِ﴾ [القدر:1]


إنَّا أنزَلنا القُرآنَ في لَيلةِ القَدْر: ليلةٍ مُبارَكة، ذاتِ قَدْرٍ وكرَامَة، وشرَفٍ ومَقامٍ عَالٍ، مِنْ شَهرِ رمَضان.

وقدْ نزَلَ جُملةً واحِدَةً مِنَ اللَّوحِ المَحفوظِ إلى السَّماءِ الدُّنيَا، ثمَّ نزلَ مُفَصَّلاً بحسَبِ الوقائعِ في ثَلاثٍ وعشرينَ سنةً على رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كما صَحَّ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما.

ووردَ في صَحيحِ مُسلمٍ عنْ ليلةِ القَدْرِ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِر، فإنْ ضَعُفَ أحَدُكمْ أو عَجَز، فلا يُغلَبَنَّ على السَّبعِ البَواقي".

﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ الۡقَدۡرِ﴾ [القدر:2]


وما الذي تَدري مِنْ عظمَةِ هذهِ اللَّيلَةِ ومَكانَتِها وعُلوِّها؟

﴿لَيۡلَةُ الۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ [القدر:3]


العمَلُ الصَّالحُ في لَيلةِ القَدر، خَيرٌ مِنْ عمَلِ ألفِ شَهرٍ ليسَ فيها ليلةُ القَدْر.

﴿تَنَزَّلُ الۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ﴾ [القدر:4]


يَكثُرُ نُزولُ المَلائكةِ وجبريلَ - ذُكِرَ لمكانَتِهِ - في هذهِ اللَّيلَة، لفَضلِها وشرَفِها، ولكثرَةِ برَكتِها وما فيها مِنَ الرَّحمَة، بأَمرِ رَبِّهم، لأجلِ كُلِّ أمرٍ تعلَّقَ بهِ التَّقديرُ والتَّكريم، وتُقضَى فيها الأمُور، وتُقَدَّرُ الآجَالُ والأرزَاق {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [سورة الدخان: 3].

﴿سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ الۡفَجۡرِ﴾ [القدر:5]


واللِّيلةُ كلُّها خَيرٌ ونَفعٌ وبرَكة، وأمنٌ وسَلامٌ مِنْ كُلِّ مَكروهٍ وأمرٍ مَخُوف، حتَّى طُلوعِ الفَجر.

سورة البينة - مدنية - عدد الآيات: 8

98

﴿لَمۡ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ الۡكِتَٰبِ وَالۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ الۡبَيِّنَةُ﴾ [البينة:1]


لم يَكنِ الذينَ كفَروا مِنَ اليَهود، والنَّصارَى، والذينَ أشرَكوا مِنْ عبدَةِ الأوثَانِ وغَيرِها، مُنتَهينَ عمَّا همْ عليهِ مِنَ الكُفرِ والضَّلال، حتَّى يأتيَهمْ ما يُبيِّنُ لهمُ الحقّ. وهوَ هذا القُرآن، الذي يُبيِّنُ لهمْ ضَلالَهمْ وانحِرافَهم، ويَدعُوهمْ إلى الإيمَانِ والإسْلام. فمَنْ آمنَ فقدْ أُنقِذَ مِنَ الجَهالَةِ والضَّلالَة.

﴿رَسُولٞ مِّنَ اللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ﴾ [البينة:2]


نبيٌّ مُرسَلٌ مِنْ عندِ الله، هوَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، يَقرَأُ ما تَتضمَّنُهُ الصُّحُفُ مِنَ القُرآنِ العَظيمِ عنْ ظَهرِ قَلبِه، المُنزَّهةُ مِنَ الكُفرِ والزُّورِ والشَّكّ، والكَذِبِ والشُّبُهات.

﴿فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ﴾ [البينة:3]


في تلكَ الصُّحُفِ آياتٌ صادِقَة، وأحكامٌ عادِلَةٌ مُستَقيمَة، تَهدي إلى الحقّ.

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ الۡبَيِّنَةُ﴾ [البينة:4]


وما تَفرَّقَ أهلُ الكتابِ مِنَ اليَهودِ والنَّصارَى وغَيرِهم، إلاّ بعدَ أنْ أقامَ اللهُ عليهمُ الحُجَجَ والبيِّنات، ثمّ َاختلَفوا؛ بَغيًا بينَهم، وجَهلاً منهم، ولسُوءِ نيَّاتٍ عندَهم، ولعِناد، وهوًى... قالَ المفَسِّرون: لم يَزَلْ أهلُ الكتابِ مُجتَمِعينَ في تَصديقِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حتَّى بعثَهُ الله، فلمَّا بُعِثَ تَفرَّقوا في أمرِهِ واختلَفوا، فآمنَ بَعضُهمْ وكفرَ آخَرون.

﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ اللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ الزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5]


والحالُ أنَّهمْ لم يُؤمَروا في كتُبِهمْ إلاّ بعِبادَةِ اللهِ وحدَه، وعدَمِ الإشراكِ به، وإخلاصِ العِبادَةِ لهُ تَعالَى، مائلينَ مِنْ جَميعِ العَقائدِ والأدْيانِ الضَّالَّةِ إلى دِينِ اللهِ الإسْلام، وأنْ يُقيموا الصَّلاةَ المَفروضَةَ عليهم، ويُحافِظوا عَليها في أوقَاتِها، ويُعطُوا زَكاةَ أموالِهمْ إلى الفُقَراءِ والمحتَاجين. وما ذُكِرَ هوَ الملَّةُ المُستَقيمَة، والشَّريعَةُ العادِلَة. أو الأمَّةُ المستَقيمَةُ المُعتَدِلَة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ الۡكِتَٰبِ وَالۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ الۡبَرِيَّةِ﴾ [البينة:6]


إنَّ الذينَ كفَروا مِنْ أهلِ الكتَاب، مِنَ اليَهودِ والنَّصارَى وغَيرِهم، والمشرِكينَ مِنْ عبَدَةِ الأوثَانِ والأفْلاكِ وغَيرِها، مِنَ العرَبِ والعجَم، مَصيرُهمْ نارُ جهنَّمَ يَومَ القِيامَةِ، ماكثينَ فيها أبدًا، لا يَموتونَ فيها، ولا يَتحوَّلونَ عنها، أولئكَ همْ أسوَأُ الخليقَةِ أعمَالاً.

﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَٰتِ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ الۡبَرِيَّةِ﴾ [البينة:7]


إنَّ الذينَ آمَنوا وأخلَصوا في إيمَانِهم، وعَمِلوا الأعمَالَ الحسنَةَ الموافِقَةَ للشَّريعَة، أولئكَ همْ أحسَنُ الخليقَةِ أعمَالاً.

﴿جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا الۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ﴾ [البينة:8]


ثَوابُهمْ على إيمَانِهمْ وطاعتِهمْ يَومَ القِيامَةِ جنَّاتُ إقامَةٍ دائمَة، تَجري مِنْ تَحتِ أشجارِها الأنهَار، خالدينَ فيها، لا يَبغونَ عنها تَحوُّلاً، لِما فيها مِنَ السَّعادَةِ والنَّعيم. رَضيَ اللهُ عنهم، ورِضوانُهُ سُبحانَهُ أعلَى ما أُوتُوهُ مِنْ النَّعيم. ورضُوا عنهُ فيما منحَهمْ مِنْ فَضلِهِ العَميم، ممَّا لا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خطَرَ على قَلبِ بشَر. وهذا الثَّوابُ الجَزيل، هوَ لمَنْ خَشِيَ اللهَ في الدُّنيا ولم يُخالِفْ أمرَه.

سورة الزلزلة - مكية - عدد الآيات: 8

99

﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ الۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا﴾ [الزلزلة:1]


إذا حُرِّكَتِ الأرْضُ واضْطربَتْ اضْطِرابًا عَنيفًا ومُتكرِّرًا.

﴿وَأَخۡرَجَتِ الۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا﴾ [الزلزلة:2]


وألقَتْ ما في بَطنِها مِنَ الكنوزِ والمَوتَى، مِنَ الأوَّلينَ والآخِرين.

﴿وَقَالَ الۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:3]


وتَعجَّبَ الإنسانُ مِنْ أمرِها وقال: ما لها تزَلزَلَتْ هذا الزِّلزالَ العَنيف، وقدْ كانتْ ساكنَةً ثابِتَة؟

﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا﴾ [الزلزلة:4]


في ذلكَ اليَومِ تُخبِرُ الأرْضُ بما عَمِلَ العامِلونَ على ظَهرِها.

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة:5]


بأنَّ اللهَ أمرَها أنْ تَنشَقَّ عنِ المَوتَى، وأنْ تُخبِرَ بما عُمِلَ عَليها.

﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ النَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [الزلزلة:6]


يَومَئذٍ يَخرُجُ النَّاسُ مِنْ قُبورِهمْ إلى مَوقفِ الحِسابِ مُتفَرِّقين، أنواعًا وأصنافًا وفِرَقًا، ليُحاسَبوا على أعمَالِهمْ ويُجازَوا عَليها، خَيرًا كانتْ أو شَرًّا.

﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة:7]


فمَنْ يَعمَلْ مِثلَ وَزنِ ذَرَّةٍ مِنَ العمَلِ خَيرًا يُجْزَ بهِ خَيرًا، ويُضاعِفُ اللهُ لمَنْ شاء.

﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة:8]


ومَنْ يَعمَلْ مِثلَ وَزنِ ذَرَّةٍ مِنَ العمَلِ شَرًّا يُجْزَ بهِ شَرًّا.

وفي حديثٍ روَاهُ أحمدُ وغَيرهُ وصُحِّحَ، أنَّ صَعْصَعَةَ بنَ مُعاويةَ أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقَرأَ عليه {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، قال: حسْبي، لا أُبالي أنْ لا أسمَعَ غيرَها!