تفسير الجزء 30 من القرآن الكريم

  1. أجزاء القرآن الكريم
  2. الجزء الثلاثون
30
من سورة النبأ حتى سورة الناس

﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:4]


فوَيلٌ وهَلاكٌ للَّذينَ يُصَلُّون،

﴿الَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ﴾ [الماعون:5]


وهُمْ غافِلونَ عَن صَلاتِهم، غَيرُ مُبالينَ بها، فتَفوتُهمْ بالكلِّيَّة، أو يُصَلُّونَ ويَترُكون، أو يُخرِجونَها عنْ وَقتِها، أو لا يُصَلُّونَها كما صَلاَّها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأركَانِها وشُروطِها.

﴿الَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ﴾ [الماعون:6]


الذينَ همْ يُرَاؤونَ النَّاس، فيَعمَلونَ حيثُ يرَونَهم، بقَصدِ الثَّناءِ عَليهم، وليسَ للإخْلاصِ بها لله.

وحَقيقَةُ الرِّياءِ طلَبُ ما في الدُّنيَا بالعِبادَة، وأصلُهُ طلَبُ المَنزِلَةِ في قُلوبِ النَّاس، كما قالَ القُرطُبيّ.

﴿وَيَمۡنَعُونَ الۡمَاعُونَ﴾ [الماعون:7]


ويَمنَعونَ زَكاةَ أموالِهمْ للفُقَراء، وأنواعَ الخَيرِ والبِرِّ والمَعروفِ بالنَّاس، وما يَكونُ بينَ الجِيرانِ مِنِ استِعارَةِ أمتِعَةِ البَيتِ ونَحوِها.

سورة الكوثر - مكية - عدد الآيات: 3

108

﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ الۡكَوۡثَرَ﴾ [الكوثر:1]


إنَّا أعطَيناكَ الخَيرَ الكَثير. ونَهرُ الكوثَرِ في الجنَّةِ مِنَ الخَيرِ الذي أعطَاهُ اللهُ تَعالَى لرَسُولِه.

وفي الحَديثِ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "بينَما أنا أسِيرُ في الجنَّة، إذا أنا بنَهرٍ حافَتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجوَّف، قلتُ: ما هذا يا جِبريل؟ قال: هذا الكوثَرُ الذي أعطاكَ رَبُّك. فإذا طِيْبُهُ أو طِينُهُ مِسْكٌ أذْفَر". رَواهُ البخاريُّ في صَحيحِه.

والمِسكُ الأذفَرُ هوَ الجيِّدُ إلى الغايَة.

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانۡحَرۡ﴾ [الكوثر:2]


وكما أنعَمنا عَليكَ بالخَيرِ الكَثير، وأعطَيناكَ ما لم نُعطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمين، مثلَ نَهرِ الكَوثَر، فأدِّ حقَّ الشُّكرِ لرَبِّك، وداوِمْ على الصَّلاةِ له، فهيَ جامِعَةٌ لأقسَامِ الشُّكر، وانحَرِ البُدْنَ - التي هيَ خِيارُ أموَالِ العرَبِ - على اسمِ اللهِ وحدَه، وتَصدَّقْ بها على المُحتَاجين.

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الۡأَبۡتَرُ﴾ [الكوثر:3]


إنَّ مُبغِضَكَ ومُنتَقِصَكَ أيُّها الرسُولُ الكَريم، هوَ المُنقَطِعُ ذِكْرُهُ وخَيرُه. أمَّا أنت، فيُخلَدُ ذِكرُك، ويَكثُرُ أنصارُك، وتَبقَى آثَارُ فَضلِك، إلى يَومِ القِيامَة.

سورة الكافرون - مكية - عدد الآيات: 6

109

﴿قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا الۡكَٰفِرُونَ﴾ [الكافرون:1]


قُلْ أيُّها الرسُولُ لكفَّارِ قُرَيشٍ قَطعًا لأطمَاعِهمْ - ويَشمَلُ كُلَّ كافِر -: أيُّها الكافِرون،

﴿لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ﴾ [الكافرون:2]


لا أعبُدُ ما تَعبُدونَ مِنَ الأصْنامِ والأوثَان، فمَعبُودي غَيرُ مَعبُودِكم.

﴿وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ﴾ [الكافرون:3]


ولا أنتُمْ عابِدونَ اللهَ، الذي أعبُدُهُ ولا أُشرِكُ به، فمَعبُودُكمْ غَيرُ مَعبُودي.

﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ﴾ [الكافرون:4]


ولا أنا عابِدٌ مِثلَ عِبادَتِكمْ ولا أقتَدي بها، فهيَ كُفرٌ وشِرك، إنَّما أعبُدُ اللهَ تَعالَى على الوَجهِ الذي يأمرُني بهِ ويَرضَاه.

﴿وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ﴾ [الكافرون:5]


ولا أنتُمْ عابِدونَ مِثلَ عِبادَتي ومُقتَدونَ بي، فأنتُمْ مُقَلِّدونَ تَعبُدونَ بأهوَائكم، ولا تتَّبِعونَ ما يأمرُ اللهُ به.

﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:6]


لكمْ دينُكمُ الكُفر، وليَ دِينيَ الإسْلام.

وليسَ هذا إقرارًا لهمْ على الكُفر، ولكنْ بَيانٌ بأنَّ كلًّا باقٍ على دينِه، لا يَتجاوَزُهُ إلى الآخَرِ ما دامَ راضيًا به وعامِلًا له ومُصرًّا عليه. فتَكونُ الآيةُ مُحكمَةً غَيرَ مَنسوخَة.

ومَنْ قالَ إنَّ مَعناها: إذا لم تَقبَلوا منِّي ولم تتَّبِعوني فدَعُوني وشَأني ولا تَدْعُوني إلى الشِّرك، قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ بآيَةِ السَّيف.

سورة النصر - مدنية - عدد الآيات: 3

110

﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ اللَّهِ وَالۡفَتۡحُ﴾ [النصر:1]


إذا جاءَكَ عَونُ اللهِ وتأييدُهُ أيُّها الرسُول، وأظهرَكَ على عَدوِّك، وتمَّ فَتحُ مكَّةَ المكرَّمَة،

﴿وَرَأَيۡتَ النَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفۡوَاجٗا﴾ [النصر:2]


ورَأيتَ النَّاسَ يَدخلُونَ في دِينِ الإسْلامِ زُمَرًا وأرسَالاً، القَبيلَةُ بأسرِها، والقَومُ بأجمَعِهم، مِنْ غَيرِ قِتال...

وكانتْ قَبائلُ وأحياءُ العرَبِ تَنتَظِرُ فَتحَ مكَّةَ لإعْلانِ إسْلامِها، ويَقولون: إذا ظَهرَ محمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) على قَومِهِ فهوَ نبيّ. فلمَّا فَتحَ اللهُ عليهِ مكَّةَ دخَلوا في دِينِ اللهِ أفواجًا، ولم تَمضِ سنَتانِ حتَّى اجتمَعَتْ جَزيرَةُ العرَبِ على الإيمَانِ والإسْلام.

﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَاسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا﴾ [النصر:3]


فنَزِّهِ اللهَ، حامِدًا لهُ مُثنيًا عليه، على هذهِ النِّعمَةِ العَظيمَة، واطلُبْ منهُ المَغفِرَةَ لذُنوبِك، إنَّهُ كثيرُ قَبولِ التَّوبَةِ مِنْ عِبادِهِ التَّائبين.

وكانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا رَكعَ تأوَّلَ هذهِ الآيةَ وقال: "سُبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبحَمدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لي"، كما في صَحيحِ البخاريِّ وغَيرِه.

وسبَبُ الحثِّ على الاستِغفارِ هوَ قُرْبُ حُضورِ أجَلِ الرسُولِ صلى اللهُ عليهِ وسلم، ومِنْ نِعمَةِ اللهِ على عَبدِهِ أنْ يوَفِّقَهُ للتَّوبَةِ النَّصوحِ والاستِغفارِ قَبلَ المَوت، ليَلقَى ربَّهُ تائبًا مَغفورًا له.

وقدْ أُمِرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالاستِغفارِ بعدَ قيامِهِ بتَبليغِ الرسالَةِ والجِهادِ في سَبيلِه، ودُخولِ النَّاسِ في دِينِ اللهِ أفواجًا، والتَّوبَةُ مَشروعَةٌ عَقِبَ الأعمَالِ الصَّالحة؛ طلَبًا للإخْلاصِ فيها، ورَغبةً في قَبولِها، وليَزدادَ المرءُ بها فَضلاً ودرَجة، ولئلّا يَغترَّ بعَملِه، والمرءُ مُقَصِّرٌ في عِبادَةِ ربِّهِ مَهما اجتهَد، وقدْ يُحسِنُ في جانَبٍ دونَ آخَر، والمسلمُ يَستَغفِرُ اللهَ بعدَ صَلاتِهِ وهيَ طاعَة، والملائكةُ تَقولُ لربِّها: "سُبحانَك، ما عبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِك"، كما رَواهُ الحاكمُ وصحَّحه.

سورة المسد - مكية - عدد الآيات: 5

111

﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ﴾ [المسد:1]


خابَتْ وخَسِرَتْ يَدا أبي لَهَب. واليَدانِ كنايَةٌ عنِ الذَّات.

وقدْ تَحقَّقتْ خسارَتُهُ وهَلاكُه. وهوَ عَمُّ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم، وكانَ شَديدَ المُعاداةِ لهُ ولدَعوَةِ الإسْلام. وكانَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نادَى قُرَيشًا، فاجتمَعوا، فقالَ لهم: إنِّي نَذيرٌ لكمْ بينَ يَدَي عَذابٍ شَديد، فقالَ لهُ أبو لهب: تُبًّا لكَ سائرَ اليَومِ ألهذا جمَعتَنا؟ فنَزلَتِ السُّورَة.

﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:2]


لا يُغني عنهُ مالُهُ ولا أولادُهُ شَيئًا، ولا يَدفَعونَ عنهُ عَذابَ اللهِ إذا حلَّ به.

﴿سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ﴾ [المسد:3]


سيَدخُلُ نارَ جهنَّمَ ذاتَ اللَّهَبِ والشَّرَر، ويُقاسِي حَرَّها وعَذابَها.

﴿وَامۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ الۡحَطَبِ﴾ [المسد:4]


وامرَأَتُهُ ستَصلَى معَهُ النَّار. وقدْ كانتْ عَونًا لزَوجِها في إيذاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ذُكِرَ أنَّها كانتْ تَنثُرُ الشَّوكَ في طَريقِه!

﴿فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ﴾ [المسد:5]


في عُنُقِها حَبلٌ مِنْ لِيفٍ مَفتولٍ تُشَدُّ بهِ في النَّار، وتُعَذَّبُ به.

سورة الإخلاص - مكية - عدد الآيات: 4

112

﴿قُلۡ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1]


قُلْ: هوَ اللهُ الواحِدُ الأحَد، لا ثانيَ له، ولا شَبيهَ له، وحدَهُ الكامِلُ في صِفاتِهِ وأفعالِه.

﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:2]


اللهُ الذي يُقصَدُ في الحَوائجِ والرَّغائب، الكُلُّ مُحتاجٌ إليهِ وهوَ غَيرُ مُحتاجٍ إلى أحَد، ولا يُقضَى أمرٌ إلاّ بإذنِه.

﴿لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ﴾ [الإخلاص:3]


لمْ يَتوَلَّدْ منهُ شَيء، فليسَ لهُ ولَد.

ولم يَتوَلَّدْ هوَ عنْ شَيء، فلا أبَ لهُ ولا أُمّ، فهوَ ليسَ بوالدٍ ولا مَولود. سُبحانَه، فهوَ مَوجودٌ قَبلَ وجُودِ الأشَياء.

﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ [الإخلاص:4]


ولم يوجَدْ لهُ مُماثِلٌ أو مُكافِئٌ في الوجُودِ كُلِّه، ولم يُشاكِلْهُ أحَد، فلا شَبيهَ لهُ في ذاتِه، ولا في صِفاتِه، ولا في أفعالِه.

سورة الفلق - مكية - عدد الآيات: 5

113