وهُمْ غافِلونَ عَن صَلاتِهم، غَيرُ مُبالينَ بها، فتَفوتُهمْ بالكلِّيَّة، أو يُصَلُّونَ ويَترُكون، أو يُخرِجونَها عنْ وَقتِها، أو لا يُصَلُّونَها كما صَلاَّها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأركَانِها وشُروطِها.
إنَّا أعطَيناكَ الخَيرَ الكَثير. ونَهرُ الكوثَرِ في الجنَّةِ مِنَ الخَيرِ الذي أعطَاهُ اللهُ تَعالَى لرَسُولِه.
وفي الحَديثِ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "بينَما أنا أسِيرُ في الجنَّة، إذا أنا بنَهرٍ حافَتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجوَّف، قلتُ: ما هذا يا جِبريل؟ قال: هذا الكوثَرُ الذي أعطاكَ رَبُّك. فإذا طِيْبُهُ أو طِينُهُ مِسْكٌ أذْفَر". رَواهُ البخاريُّ في صَحيحِه.
وكما أنعَمنا عَليكَ بالخَيرِ الكَثير، وأعطَيناكَ ما لم نُعطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمين، مثلَ نَهرِ الكَوثَر، فأدِّ حقَّ الشُّكرِ لرَبِّك، وداوِمْ على الصَّلاةِ له، فهيَ جامِعَةٌ لأقسَامِ الشُّكر، وانحَرِ البُدْنَ - التي هيَ خِيارُ أموَالِ العرَبِ - على اسمِ اللهِ وحدَه، وتَصدَّقْ بها على المُحتَاجين.
وليسَ هذا إقرارًا لهمْ على الكُفر، ولكنْ بَيانٌ بأنَّ كلًّا باقٍ على دينِه، لا يَتجاوَزُهُ إلى الآخَرِ ما دامَ راضيًا به وعامِلًا له ومُصرًّا عليه. فتَكونُ الآيةُ مُحكمَةً غَيرَ مَنسوخَة.
ومَنْ قالَ إنَّ مَعناها: إذا لم تَقبَلوا منِّي ولم تتَّبِعوني فدَعُوني وشَأني ولا تَدْعُوني إلى الشِّرك، قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ بآيَةِ السَّيف.
وكانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا رَكعَ تأوَّلَ هذهِ الآيةَ وقال: "سُبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبحَمدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لي"، كما في صَحيحِ البخاريِّ وغَيرِه.
وسبَبُ الحثِّ على الاستِغفارِ هوَ قُرْبُ حُضورِ أجَلِ الرسُولِ صلى اللهُ عليهِ وسلم، ومِنْ نِعمَةِ اللهِ على عَبدِهِ أنْ يوَفِّقَهُ للتَّوبَةِ النَّصوحِ والاستِغفارِ قَبلَ المَوت، ليَلقَى ربَّهُ تائبًا مَغفورًا له.
وقدْ أُمِرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالاستِغفارِ بعدَ قيامِهِ بتَبليغِ الرسالَةِ والجِهادِ في سَبيلِه، ودُخولِ النَّاسِ في دِينِ اللهِ أفواجًا، والتَّوبَةُ مَشروعَةٌ عَقِبَ الأعمَالِ الصَّالحة؛ طلَبًا للإخْلاصِ فيها، ورَغبةً في قَبولِها، وليَزدادَ المرءُ بها فَضلاً ودرَجة، ولئلّا يَغترَّ بعَملِه، والمرءُ مُقَصِّرٌ في عِبادَةِ ربِّهِ مَهما اجتهَد، وقدْ يُحسِنُ في جانَبٍ دونَ آخَر، والمسلمُ يَستَغفِرُ اللهَ بعدَ صَلاتِهِ وهيَ طاعَة، والملائكةُ تَقولُ لربِّها: "سُبحانَك، ما عبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِك"، كما رَواهُ الحاكمُ وصحَّحه.